قصيدة النثر ومتصوّر الحدث

قصيدة النثر ومتصوّر الحدث

“الملكة التي تحبها العصافير” و”ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة”

 لعبد الفتاح بن حمودة (إيكاروس) نموذجا

(كل وردة حلم، لكن عندما تتلاقى وردتان يتلاقى الحلم والواقع

أدونيس/ إيكاروس: حركات الوردة، ص85

عياد بومزراق (باحث تونسي)


    المصطلحات المفاتيح: قصيدة النثر، الحدث، النص الحدث، مسرحة الحدث، الترميز، الرمز الصاعد، الوردة، اليومي، العابر، الكون الشعري..

    يعتبر تحديد المفاهيم، منذ أبعد العصور، شكلا من أشكال إدراك الوجود ومظهرا من مظاهر السعي إلى استكناه أسراره. ولعلّ البحث في ما خفي من ظواهره ودقّ هو أرقى أشكال ذلك الإدراك. بل إنّ تجاوز التدقيق في المحسوسات إلى التنكيت في المجرّدات، هو البرهان على إنسانية الإنسان المتعقّل. والفنّ من المباحث المجرّدة التي خاض فيها الإنسان، تفكيرا وممارسة، منذ احتكاكه بالعالم الموجود. وإذا كان الشعر “أوّل الفنون” في التصنيف اليوناني القديم، فإنّه لا غرابة في ما نراه من سعي دؤوب إلى الغوص في مفاهيمه وتتبّع متصوّراته للظفر بحدّه والوقوف على جوهره. وقد توسلت المجهودات المبذولة بوسائل متنوعة وانتهجت مناهج مختلفة ودخلت من مداخل متباينة لتحقيق مآربها. ونحن نختار مدخل “الحدث” للولوج إلى مجاهل الشعر وخصائص الشعريّة.

  1. مدخل إلى إشكالية “النص الإبداعي والحدث”:
  • “الحدث” وحدود الأجناس:

    لقد مثّل الحديث عن العلاقة الإشكاليّة بين “النصّ الإبداعي” و”الحدث” مدخلا بالغ الأهميّة للبتّ في تحديد مصطلحات أدبيّة عدّة ولتحديد قيمة النص ذاته. من تلك المصطلحات: الشعر، النثر، الشعر الوظيفي، الكتابة الوظيفيّة، الشعر الواقعي، الرواية الواقعيّة، قصيدة النثر، المسرح الشعري، الشعر الثوري، شعر الثورة، الشعر الملتزم، شعر الحقيقة، شعر التجربة، الشعر التجريبي، الشعر الموضوعي، الشعر الذاتي… ولئن بدت هذه المصطلحات، في ظاهرها مشتّتة، فإنّها متشابكة: فبعضها مصطلحات رئيسيّة استيعابيّة (كالنثر والشعر)، وبعضها مصطلحات فرعيّة اندماجيّة (كالرواية التي تندمج في النثر، والشعر الواقعي الذي يندمج في الشعر). وبعضها الآخر مصطلحات متجاورة تجاور تضادّ (كالشعر الموضوعي والشعر الذاتي)، وبعضها الآخر مصطلحات متجاورة تجاور ترادف (كالشعر الوظيفي والشعر الموضوعي). ومع ذلك، فإنّها تشترك في تحديد الجنس العام، أي الإبداع، والأجناس الفرعيّة، أي الشعر والنثر، والأنواع الخالصة، كالقصيدة والرواية والمسرحيّة، والأنواع الهجينة، كالمسرح الشعري وقصيدة النثر.

  • في متصوّرات الحدث:

  وللحدث تصوّر شاسع في كتابات النقاد والمبدعين. فهو، في مواقع كثيرة، يتجاوب مفهوميّا مع مصطلحات “الموضوعي” و”الحقيقي” و”المرجعي” و”الواقعي” و”اليومي” و”المألوف” و”السائد” و”العابر” و”الوظيفي” و”المعيش” و”الممارسة” و”التظاهرة/ الظاهرة” و”التاريخي” و”الاجتماعي” و”الإيديولوجي” و”الشيء الحميم” و”الشيء الحيادي” و”الحياتي” و”الملتصق بجلدة الحياة” و”ما هو في مستوى الأشياء” و”الدارج” و”التفصيلي” و”قضايا الإنسان السطحيّة” و”المستويات المباشرة للعالم والحياة” و”النشاط الاجتماعي” و”البعد المباشر المرتبط بالظرف والوضع” و”اللحظة العارضة في تاريخ الإنسان”[1]… فللحدث، وفق هذا التجاوب، أبعاد مختلفة أهمّها أربعة: البعد العملي المادّي، والبعد الثقافي، والبعد النفسي، والبعد الإبداعي. وعلى ذلك يمكن اعتبار “الحدث”  فعلا  و/أو ردّ فعل مؤطَّريْن “مكانا” و”زمانا”، ومحكوميْن بدوافع “ذاتيّة” أو “موضوعيّة”، وغايتهما تحقيق “منفعة” شخصيّة أو جماعيّة، ويمكن التعبير عنهما إبداعيّا تعبيرا يراعي “حقيقتهما” الماديّة في إطار “نسق ثقافي سائد” لا يمكن الحياد عنه». وهو بكل اختزال: “كلام الواقع”[2].

        يترسّخ الاعتقاد، إذن، أنّ كلّ “فعل” في الوجود “حدث”، وكلّ “حدث” يمكن أن يكون “موضوعا” للإبداع.

  • في مواقف النقاد من الحدث:

       واختلفت المواقف النقديّة من علاقة الإبداع بالحدث. فشِقٌّ من النقّاد، وهم في الغالب ممّن يرسّخون مفهوم “النقد السائد”، يرى قيمة النصّ الإبداعي في “شرف الحدث” الذي يتخذه موضوعا. وهم في ذلك، يصدرون عن رؤية جدوليّة مقارنة تصنّف المعاني إلى “جميلة” و”قبيحة” أو “مباحة” و”ممنوعة”… ويستتبع هذا التصنيف تقييم للنصوص، فما تضمّن معاني شريفة كان جيّدا وما تضمّن معاني قبيحة كان رديئا. ونتج عن ذلك فصل بين “مضمون” النصّ (الذي هو نقل للحدث في نسخة قولية) و”شكله” (وهو طريقة التعبير عن الحدث المنقول). واستتبع ذلك تمييز تفاضلي بين المضمون والشكل. وهناك شقّ آخر من النقّاد يرى “أنّ طريقة التعبير أو كيفيّة القول أكثر أهميّة من الشيء المقول، وأنّ شعريّة القصيدة، أو فنّيتها هي في بنيتها لا في وظيفتها”[3]. ويعني ذلك أنّ نبل الموضوع وشرف معانيه لا يضفيان بالضرورة على النصّ الإبداعي جودة فنيّة، لأنّ قيمة الشعر ليست “في مضمونه بحدّ ذاته، سواء كان واقعيّا أو مثاليّا، تقدّميّا أو رجعيّا”[4]، وإنّما قيمته في “طريقة التعبير” وأسلوب المعالجة. ويبرّر بعض النقاد العرب تجاوزَ “الجودة” حدود “الموضوع” بحجّتين: ترى الأولى أنّ محاكاة “الحدث الجميل” بالقول وصفا لا ترقى إلى الحدث الجميل ذاته. وأنّ تصوير “المعنى الشريف” لا يضاهي ذلك المعنى عينه. فهو الأصل والآخر صورة، وللأصل شرف الابتداء. فـ”الحدث ( الجميل أو القبيح) هو، في حدّ ذاته، أجمل (أو أقبح) من الكلام الذي يعكسه – وصفا، أو مدحا، أو هجاء”[5]. فالشاعر لا يمكن “أن يكوّن وردة من الكلام تضاهي أو تطابق وردة الطبيعة”، وبالمثل، هو لا يمكن “أن يكوّن بكلام اللغة جسدا شهيدا يضاهي جسد الثائر الشهيد أو يطابقه”[6]. إنّ النسخة، دائما، قاصرة عن مجاراة الأصل لأنّها حين تتوهّم أنّها توضّحه وتكشف عنه تعميه وتحجبه[7]. وشرف النسخة هو، أبدا، عاجز عن منافسة شرف الأصل. ولذلك يجب تعديل وظيفة النصّ الإبداعي من نسخ الحدث – الأصل ومحاكاته إلى غاية أخرى هي البحث عن حكمة ذلك الحدث حتّى يكون النصّ ذاته حدثا. إنّه الخلاص من أسْر “الواقع المباشر الظاهر الشائع”، وتأسيس لـ”واقع آخر، عميق وجديد”[8]. وفي مجمل هذه العمليّات، تغيير لوظيفة الكلام في النصّ. فما تعود “الوظيفة الإخباريّة” مهيمنة على الكلام، وإنّما تتراجع إلى مرتبة دون “الوظيفة الشعريّة” بكثير.

    أمّا الحجّة الثانية التي يعتمدها هؤلاء النقاد للإقناع بتجاوز معيار “الجودة” حدود الحدث – الموضوع، فهي ترى أنّ طرائق التعبير عن الحدث الواحد (الموضوع الواحد)، وليكن شريفا، مختلفة شديد الاختلاف ومتباينة شديد التباين بعضها جيّد وبعضها رديء. وقد تفوق الرديءَ منها طرقُ تعبير عن أحداث – مواضيع أخرى أقلّ شرفا ونُبلا من موضوعها. فـ”لا يكون الفنّ رديئا، بالضرورة، إذا عبّر عن آراء رديئة”[9]. وفي المقابل، لا يكون الفنّ نبيلا إذا عبّر عن حدث نبيل. فـ” أن يتناول الشعر الموضوعات الوطنيّة، لا يعني بالضرورة أنّه شعر جيّد، فنيّا”[10]. و”قد يكتب شاعر عن موت شهيد ثوري قصيدة، ويكتب شاعر آخر قصيدة أخرى عن موت عصفور، ومع أنّ الموضوع الأوّل أنبل وأسمى، فقد تكون القصيدة الثانية أغنى وأجمل”[11]. إنّ “الموضوعات أيّا كانت لا أهميّة لها، سلبا أو إيجابا، في تقويم فنيّة الشعر”[12]، كما يدّعي أدونيس.

    تتفق الحجّتان، إذن، على أنّ “الحدث – الموضوع”، في ذاته، لا قيمة له في تحديد قيمة النصّ، وإنّما قيمته في طريقة تعبير المبدع عنه وكيفيّة التقاطه. وتتفقان على أنّ قيمة النصّ ليست في اختيار المواضيع الأشرف والأنبل، وإنّما قيمتها في كيفيّة حضورها “كشكل تعبيري” و”صيغة رؤيا”[13]. و لهذا الانتقال من التأكيد على “مضمون” النصّ إلى التأكيد على “الشكل التعبيري” تأثير في تغيير متصوّرات مصطلحات عديدة كـ”الثورة” و”الحقيقة” و”الأصالة” و”اليومي”… ومن جهة أخرى، استخدم هذا المعيار المتجدّد أداةً للفصل بين أجناس الكلام، عامّة، وبين أنواع التعبير الأدبي الرئيسيّة والفرعيّة.

  • حصر المدوّنة:

  من هذا المنطلق النّظري، نريد أن نستجلي تعامل الشعراء التونسيين، من كتاب قصيدة النثر، مع اليومي والعارض. وقد اخترنا كتابين شعريين لعبد الفتاح بن حمودة (إيكاروس) هما “الملكة التي تحبها العصافير”[14]، و”ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة”[15]. والكتاب الأوّل يصفه صاحبه بـكونه “قصيدة غزليّة”. فهو مندرج بـ”الفعل” ضمن جنس الشعر. ويبقى إدراجه ضمن الشعر بـ”القوّة” رهين دراسة تستجلي مراحل العبور من “الوظيفي” إلى “الشعري”. أمّا الكتاب الثاني، فيدرجه صاحبه، على الغلاف، ضمن جنس الشعر. وهو بدوره يندرج ضمن هذا الجنس بالفعل. بل انّ الشاعر يصدّر كتابه بتقديم للباحث فتحي خليفي يتضمن نسبة هذا الكتاب إلى قصيدة النثر[16].

  لذلك اخترنا هذين النموذجين من قصيدة النثر التونسية المعاصرة لنقف على مقدار “الشعرية” فيهما انطلاقا من زاوية “الحدث”. غير أنّ الأثريْن المذكوريْن لا ينفصلان عن أثر ثالث لعبد الفتاح بن حمودة (إيكاروس) هو “حركات الوردة: تأملات شعريّة”[17].  والأثر الثالث ليس من جنس النصين السابقين وإنّما هو أقرب إلى النصوص النّظريّة والتأملات النقديّة التي أودع فيها صاحبها نظرته إلى الإبداع والمبدع، إلى القديم والحداثي، إلى الكتابة والنص/ الوردة…. ومع أنّ لغة الكتاب تميل إلى التعبير الإيحائي، فإنّها لا تخلو من دلالات مباشرة إلى مواقف نظريّة في صميم الكتابة الإبداعيّة، كما لا تخلو من إيضاحات لبعض ما ورد في الكتابين الشعريين آنفيْ الذّكر، وفي مجمل كتابات إيكاروس. لذلك يعتبر هذا الكتاب مدخلا ضروريّا لفهم هذه التجربة.

  وبناء على ما تقدّم، نعتقد أنّ تقسيم البحث إلى محورين رئيسيين ضروري: في الأوّل نتبيّن تجلّيات “الحدث” في النصّ الجامع، وفي الثاني نتبيّن مظاهر “النصّ- الحدث”[18] وآليات العبور من الوظيفي إلى الشعري.

  1. تجلّيات “الحدث” في المدوّنة:
  • الحدث وكينونة الشاعر:

   إذا كان “الحدث”، في أدبيات النحويين، هو الفعل معرّى من الزمان، فإنّه، في السنن الإبداعية والنقديّة غير منفلت من وطأة الزمان ولا من أبعاد المكان ولا من أثر الإنسان. إنّه الحلول في “المرجعيّ” المؤطَّرِ الآن وهنا، وتجسيد لكينونة الإنسان في الوجود ولمركزيّته في الكون الحقيقي لا الكون المتخيّل. فالشاعر، حين يهتمّ بالحدث، يكشف عن وعي بتفاصيل المرجعيّ، وقدرةٍ على “رصد” الطارئ، وكفاءةٍ في “نقل” المُحدَث وحذق في “توثيق” المتغيّر، ودقّةٍ في “الإخبار” عن المنجز، وذكاءٍ في “التنبيه” إلى الزائل… بعبارة أخرى، يسعى الشاعر إلى إثبات موقعه في الوجود بإدراك الموجود. فليس الشاعر، في هذه الوضعيّة، سوى طفلٍ يتعلّم وينمو حين يتعلّم.

   إنّ عودة الشاعر إلى مرحلة الطفولة المعرفيّة، اعتراف بالكون المرجعيّ في عمومه وتفاصيله وبقدرته على تشكيل “الذات الشاعرة”. فلن يشتدّ عود هذه الذات ما لم تفرز، في هذا الكون، “البسيط” من “المركّب”، وتميّز بين “القريب” و”البعيد”، وتفصل “المركزي” عن “الهامشي”، وما لم تثمّن “القيّم” و”المحترم” وتحقّر “المرذول” و”النابي” و”التافه”…، ولن تكتمل صورتها ما لم تنزّل مكوّناته منازلها وتعترف بأولويّة “الأولوي” وثانويّة “الثانويّ”، وما لم تحترم العلاقات المنطقيّة التي تربط تلك المكوّنات بعضها ببعض كما أراد لها ذلك الكون المرجعي أن تكون. لذلك يُجبَر الشاعر على النزول من برجه العاجي الذي شيّدته له الأسطورة الإبداعية ليتمرّغ في وَحْل هذا الكون المُدرَك: يصاحب الأجرام العظيمة ويلازم الكائنات المهابة والحقيرة، الجميلة والقبيحة، وهي حالّة في مرابعها المنفلتة أو في منازلها الثابتة، وفي وضعياتها المستقرّة أو المضطربة، ثمّ يوصّفها توصيف المنزّه عن الميْن والكذب. وينصت إلى الأصوات الهامسة أو المرتفعة، الضعيفة أو القويّة، الموقعة أو الناشزة، ويلتقطها من أفواه الكائنات ثمّ يعرضها دون غربلة أو تصفية. ويراقب أفعال الناس المباح منها والمحرّم، المعهود والطّريف، الزيّن والشيّن، ثمّ ينقلها إلى القارئ بأمانة الأمين. وقد يتسلّل إلى سرائر الناس المختلفة فيقف على أفراحهم وأتراحهم، وعلى سكينتهم وقلقهم، وعلى خوفهم واطمئنانهم. فيعكسها دون تشويه أو تزييف. وقد ينفعل لانفعالاتهم فيفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم و يسكن لسكونهم، فيكون لسانهم الذي يعبّرون به عن آلامهم وآمالهم أصدق تعبير.

   إنّ الشاعر، وهو يلملم شتات هذا الكون المرجعي الذي يؤطّر الحدث الموضوعي العارض، يُختزل في حواسه وشعوره، أمّا خياله فمعطّل مبدئيّا[19]. فالشّاعر يطوّع بصره وسمعه ولمسه وذوقه وشمّه لإدراك المحسوسات التي يعجّ بها هذا الكون ولإدراك العلاقات المتغيّرة التي تربطها والأثر الذي تخلّفه هذه العلاقات. ويطوّع قلبه ليشارك الكائنات مشاعرها. والمحسوسات زائلة والمشاعر عارضة، و”الحدث” اختزال لها جميعا وعلامة عليها.

 * الحدث بين كونين:

 وفي المدوّنة المعتمدة كون شعريّ مرجعي عظيم بعظمة الكون الذي نراه، وهو يحتشد بعدد كبير من المكوّنات والعناصر التي يستمدّها من مصادر مرجعيّة متعدّدة (الطبيعة، الأسطورة والخرافة، الواقع الاجتماعي….) ليحشرها في فضاء القصيدة. ففي “ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة” يبدو الكون المرجعي ضيقا مقارنة بما في “الملكة التي تحبها العصافير”. ويبدو العمل، في مجمله، تسجيلا واعيا للحظات مفارقة يعيشها الشاعر كذات مفردة (ذات إيكاروس الحاضرة في النصّ أو من ينوبها من الشعراء كـ”شيركو بيكه س”) أو كذات جماعية (أفراد الشعب التونسي/ أفراد الطبقة المهمشة/ مجموع الشعراء). فلـ”الواقع المعيش”، في هذا العمل، هيمنته على الشاعر، ولـ”اللحظة التاريخيّة” سطوتها وأثرها العميق فيه. لذلك لم يقدر على الخروج من أسوار هذا الواقع أو تجاوز اللحظة التاريخية المفارقة. فتراه في قصيدة “مهنة قديمة” (ما لا تقوله…، ص50) متأثرا بـ”الاغتيالات السياسيّة”، وتراه في قصيدة “شيطان النّهر” (ما لا تقوله…، صص19) متفاعلا مع “احتراق الشهيد”، أو تراه في قصيدة “شتاء في حانة الصّحافيين” (ما لا تقوله…، ص44) متعاطفا مع الفقراء والبائسين… أمّا إذا خفّف عنه الواقعُ الحملَ وانعدم الحدثُ المفارق، فإنّ المبدع يشعر بالفراغ و”الملل”، ولا يبقى له إلا ملاحقة الحشرات في كلّ مكان. يقول في قصيدة “ملل”:

حشرة وراء التلفاز

حشرة فوق رداء بلور النافذة

حشرة فوق العلم الوطني أعلى السّرير

حشرة فوق قميص ملقى هناك

[…] (ما لا تقوله..، ص40)

    لهذا السبب تهيمن على هذا العمل القصائدُ والمقاطعُ المعبّرة عن مشاعر المبدع المختلفة وأحواله المتباينة تأكيدا لذلك الارتباط العضوي بالمرجعي. يقول في قصيدة “أشياء لا تحتمل خفّتها”:

خائف من “سمكة أفريل”

من أمطار لزجة في ماي السكران

من وردة منشورة في شارع “ابن خلدون”

[…]

خائف من ظلّي تحت رحمة شمعدان

… خائف من كلّ شيء. (ما لا تقوله…، ص32)

 وفي انتقال “الحدث” من الإطارين الزماني والمكاني إلى الإطار العاطفي الشعوريّ انتقال من الفضاء المرجعي إلى الفضاء الشعري. إذ يكفي الحدث أن يتجرّد من خصوصيّته العابرةِ، ومن زمانيته ومكانيّته، ومن ارتباطه بشخوص معيّنين، ليغدوَ حدثا شعريّا بعد أن أثار اهتمام هذا الكائن الأسطوري المفارق للعامّة. وليس من الضروريّ أن يكون الحدث مفارقا بالإجماع حتّى يكون شعريّا. بل إنّ عبقريّة الشاعر تكمن في التقاط ما يعتقده العامّة غير مفارق ليفاجئنا بألقِه السّرمديّ.

    أمّا في “الملكة التي تحبّها العصافير” فتأخذنا “الخرافات و الأساطير اليوميّة”، في رحلة ملحميّة[20]، إلى “حافات الكون الغامضة” مرورا بفضاءات شاسعة تنير “الشمسُ” أركانَها نهارا، وتزيّن “نجمة أكتوبر” العالية، “البيضاء” أو “الخضراء”، سماءَها ليلا:

تقف الشمس [وحيدة]، مقطّبة الجبين، عاضّة شفتيها

وبيدها فانوس أزرق:

– غبطة نجمة أكتوبر تغيض السماء بلسانها الأحمر الدقيق.

– عيناها الواسعتان ازدراؤها الكامل بجدران الليل.

– الغابة التي أشعلتها الوردةُ البيضاءُ.

– [….] (الملكة…، ص36)

  ولهذه الأجرام أثرها في بقيّة العناصر المشكّلة لذلك الكون المرجعي (الأشجار، العصافير، الناس…):

[* هكذا…

هكذا يا نجمة أكتوبر المفتوحة لعضّة المسامير،

تتعرّى الأشجار بفعل كتلات الضوء،

تذهب العصافير إلى عمل آخر هناك..] (الملكة…، ص49)

    قد لا يكون لأثر تلك الأجرام أهميّة عند البعض، فمن يكترث لـ”الخيط الأوّل لفجر الوردة يمرق من تحت الباب” (الملكة..، ص55)؟، و من يهتمّ بأنّه “ليس للشمس اسم واحد”؟ (م.ن: ص72)، وقد يصرخ أحدهم في وجه الشمس قائلا: “لم أعد أرغب فيك أيتها الشمس” (ص21)، وقد يعترف آخر قائلا: “لا أعرف تماما صوت الصّباح الخجول ولطمة الموج” (م.ن: ص62)، وقد تدّعي “مخلوقات خارقة” أنّه “لا يحزنها مشهد عصافير/ الصّباح أو الكثافة المجروحة لسيقان العصافير” (م.ن: ص65). ولكن الشاعر، ذاك الملاحظ النّابه الذي يرى “شمسا بجناحين صغيرين يطيران أبعد من همسة شاعر صغير” (م.ن: ص21)، يعرف قيمة هذه الأجرام، فلا يتوّرع عن الكشف عن دورها في إعطاء الأشياء “البسيطة” أهمّيتها بفعلها العارض المتكرّر المهمل الذي فقد بريقه كحدث مفاجئ. فـ”الشمس الظامئة لها عينان ترى بهما الصباحات والندى”، ولهذه الشمس فضل على الشاعر، نموذجا للإنسان الباحث عن الحقيقة والأمل، إذ هي تهديه “الفصول الخضراء”، كما يصرح إيكاروس. وهي بقدر ما تشحن الكون المرجعي بنور الحياة والأمل، تشحن النص الشعريّ بطاقة إبداعية استثنائيّة إذا ما جرّدناها من دلالاتها المباشرة وعدنا بها إلى زمن “ما قبل التسمية”. يقول الشاعر في “حركات الوردة”، كاشفا عن ذلك:”الشمس تحتاج إلى أصواتها القديمة وإلى رغبتها في القبض على الأبديّ: النص الشعريّ حدثا كونيّا معاصرا وجبلا مميّزا يعاش هناك في التخوم”[21]. فبـ”مغامرة الشمس” اليوميّة تكون “الأرضُ نوافذَ عمياء وعيونُ العصافير قواربَ مفتوحة في الصّباح” (حركات…، ص70)، أمّا “دموع الوردة في الليل” فهي”عطر آخر لمغامرة الشمس” (حركات…، ص70). لذلك يتوجّه إلى كلّ متجاهل أو متردّد بقوله:

“لا.. لا تخش شيئا واعزف على أوّل فجر فوق الأرض” (حركات…، ص63).

  للشاعر وعي منفرد بخطورة الحدث العارض في مصدره المرجعي مادام أمارة وبشارة. لذلك يهتمّ بكلّ شيء في كلّ زمان ومكان، كاهتمامه بـ”الأمتعة” و”الجبال”[22] وبـ”البحار” وبـ”الشمس” و”النجوم” و”الحشرات” و”العطر” و”الحلوى” وبـ”الحصى يتساقط من كلّ الجهات، في الطرقات وفوق الأشجار، والأغصان تتمزّق بفعل الحصى وفي خضمّ ذلك تتلوّى أصابع الشعراء مثل ثعابين جميلة وتتشابك مثل قوس قزح مقطوع”[23] ، أو يهتمّ بـ”قصّة حبّ بسيطة وهشّة” ليعرضها في شكل “ملحمة صغيرة” سمّاها “الملكة التي تحبّها العصافير”. إذ يقول في مقدّمة هذا الكتاب الشعري: “مجرّد قصّة حبّ بسيطة غامضة وهشّة في أكثر من مكان. عاشت هذه الملحمة الصغيرة فوق الأرض سنوات طويلةً. عاشت هذه القصّة البسيطة مختنقة في روح الشاعر وظلّت مكتوبة هناك في الغيم”[24]. وقد يجسّد اهتمامه باليومي والعابر المهمل قراءة وكتابة وتصويرا وسخرية وعتابا…. يقول معبّرا عن ذلك في حوار متخيّل بين صوتين غامضين:

 “ماذا رأيت هذا اليوم؟

– قرأت أعشاشا مُتخمة بالنور،

– كتبت كلمات قليلة أحيّي بها ذيل حصان مقطوع.

– صوّرت نساء البحر تحت قبّعة إيقاع زرقاء.

– عاتبت حواجبهنّ طويلا” (الملكة…، ص22).

   ولكن أيّة أهميّة لـ”شروق شمس” متعثّر[25] و”لمعة نجمة” بعيدة أنهكها “أكتوبر” ببرده وغموضه السّاحر؟ يجيب الشاعر مقتبسا من باشلار[26]: “مع الأضواء الخفيفة ثمّة ماء في النور” (الملكة…، ص37). وللنور دلالة “الوعي”، وللماء دلالات “الولادة” في السياقات الشعريّة وفي باقي الاقتباس من باشلار. فـ”هذه الطفولة في الضبابات والأنوار الخافتة، هذه الحياة ذات الحافات الغامضة البطيئة، كلّ هذا يمنحنا كثافة من الولادات” (الملكة…، ص37).

    إنّ تعليقا كهذا يدفعنا إلى طرح عدّة أسئلة قد تصبح هاجسا ملحّا حين ننظر بعيون الشعراء. من هذه الأسئلة: أيّة أهمّيّة لحدث نعيشه كلّ يوم ولا نعيه؟ هل قيمة الأشياء والأحداث كامنة في وجودها كأشياء وأحداث أم هي كامنة في نِظرتنا نحن إليها؟ بعبارة أخرى: هل قيمة الحدث “طبيعيّة” بالحدوث أم هي “مكتسبة” بالالتقاط؟ ومن هو المخوّل لالتقاط هذا العابر المهمل؟ ومن هو القادر على إعطائه قيمته؟ وبأيّ آلات نلتقطه؟

   يبدو أنّ قيمة الحدث لا تكمن في كينونته ذاتها، وإنّما تكمن في انتقاله من كونه المرجعي إلى كونه الشعري، وفي تغيّر الوعي من حالة البلاهة إلى حالة النباهة، وفي تغيّر الشخص من “إنسان عابر” إلى “إنسان شاعر”.

  • في تهيؤات الحدث ووظائفِه:

   للحدث العارضِ والمهملِ، إذن، شرف التوعية وإثارة أوجاع الولادة. وللشاعر شرف التبشير والإنذار: التبشير بـ”الصّباحات”[27] وبالشمس التي “تحمل مفاتيح البيت العائلي” (الملكة…، ص64) وبـ”الثورة”: “ثورة الجياع”[28] والمحرومين. ألم يقل في قصيدة “شيطان النّهر” (التي أهداها إلى “محمد البوعزيزي” في ذكرى نيرانه)  من كتابه الشعري “ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة”:

 كنت متيقّنا من ادّعائه الصنوبرَ والنعناعَ

حتّى سمّى عربةَ الخضار مذراةً في الرّيح

وشجرةَ الزيتون ملعقة

وشجرةَ اللّوز فرشاة

وشجرةَ التين أخطبوطا

وشجرةَ السّرو عناية إلهيّة

ونبتةَ الحبق سمّاها مصيدةَ حشرات

وأزهارَ القرنفل دما لجنديّ مجهول؟

  وكان ينذر من طوفان عارم لا يبقي ولا يذر. (ما لا تقوله….، صص19/20)

   لذلك نراه بين شوارع العاصمة تونس وأزقّتها، وفي المطاعم والمقاهي والحانات خاصة، وداخل الحجرات المغلقة والساحات العامّة، وعلى سنا نجمة بعيدة واحدة، يسري في العتمة بحثا عن الأركان الخفيّة التي تحتضن “ما يُدبَّر بليْل”. أمّا نهارا، فَبِنُورِ الشمس الساطعة يصبح الشاعر “كائنا نهاريّا” يرصد بعين “الّلامرئيّ الجوّال” ما يبدو تافها ليبرهن على أنّنا أموات في الحياة، وأنّ “هذا العالم” الذي يحتوينا مُترَع بـ”القذارة” (البول، القيء،…) ومدنّس بـ”الجشع” (جشع الأغنياء…) و”الحيف” (حيف الطبيعة/ الحيف الاجتماعي..) و”الكذب” و”الجريمة” و”الانتهازيّة” (انتهازية الشعراء المأجورين والمدعين..). يقول في قصيدة “ثورة الجياع”:

[…]

مساءً…

بعد أن يبول السّكارى والمترفون على الجدران وتحت الأشجار

بعد أن يقذفوا ما في بطونهم أمام المطاعم والحانات

أدرك أنّ “هذا العالم” يحتاج إلى مشرط وإبر ومورفين

كي يتحوّل إلى وردة من دم” (ما لا تقوله…، ص21)

   أثناء تسجيل الحدث تضيع الذات في رتابة المعيش، و تعلق في الزمان الخاص وفي المكان الثابت، وتتذوّق مرارة اليومي. إذ يتغلغل الشاعر في “الاجتماعي” ويجادل في “السياسي” ويتأفّف من “الاقتصادي” ويعرّي “اللاّ أخلاقي”… فتتشكّل له، في معظم الأحيان، صورة تراوح بين التّماسك والتشظّي، وبين الانتصار والهزيمة، وبين الاستسلام والتحدّي، وبين الألم والأمل… ما جعل النصّ، خصوصا في “ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة”، ينفتح على حقل دلالي وجودي. غير أنّ الشاعر لا يرفع رايات الاستسلام، بل يخوض غمار معاركه الوجوديّة بما أتيح له من أسلحة أهمّها “الكلمة”. فبالكلمة يواجه الانتهازيين ويفضح مخططاتهم، وبالكلمة يعبّر عن احتياجات المحتاجين، وبالكلمة ينقل شعارات الثوريين… وهو، بكل ذلك، يصنع لنفسه قيما تخالف السائد، ويندمج ضمن مجموعات معيّنة، سياسيّة ثوريّة أو ثقافية طليعيّة، وينتسب إلى طبقة الفقراء والمهمشين… إنّه نموذج “للمثقف العضوي” لسان حال “طبقته الاجتماعية” المعبّر عن واقعها وطموحاتها. ونعتقد أنّ هذا الانتماء هو الذي جعل ضمير المتكلم المفرد (أنا) وضمير المخاطب الجمع (نحن) يهيمنان على معظم القصائد. يقول، مثلا، في قصيدة “أغنية للبسطاء”:

نحن البسطاء

نفرح ببيضة مسلوقة ننثر فوقها ملحا

نفرح بسيجارة تنقذ صباحنا من ورطة

نفرح بقهوة حبشيّة عاجلة مثل موت

نفرح بشخللة ماء في بئر قبل أن يصل حلوقنا

نفرح بكلّ شيء. (ما لا تقوله…، ص53)

  قد يقنعنا الشاعر بشعاراته السياسية والاجتماعية حين يفتّح أعيننا على معاناتنا ويذكّرنا بأوجاعنا المتكرّرة ويعبّر عن شواغلنا، وقد يدفعنا إلى الاصطفاف وراءه حين ينصّب نفسه زعيما علينا يدافع عن حقوقنا. ولكننا سنرضى، حينئذ، بالانحشار معه في عالم ضيّق، وسنبقى منشدّين إلى الوحل الذي نعانيه في كلّ لحظة لأنّنا نعرف أنّ الخروج منه مجرّد حلم لن يتحقق. وفي المقابل سنتخلّى عن حلاوة الشعر الحقيقيّة. تلك الحلاوة التي نعتقد أنّها لا تنشأ من “التذكّر” بل تنشأ من “الاكتشاف”، اكتشاف طرائق الخلق والتعبير. نحن نعي جيّدا أنّ الشاعر ليس إلها قادرا على خلق أكوان جديدة قد تحلّ محلّ الكون الذي يحتضننا، ولكننا نعرف أنّه قادر على تشكيل خطاب يبعثر هذا الكون الذي يحتضننا ويخرّبه ليغدو هو الحدث. وهذا منه كاف لنا وشاف.

  1. النصّ الحدث وآليات العبور:
  • الوعي الشعري: وعي النص بذاته ووعي المبدع بنصّه.

  لن يكون النصّ حدثا إلاّ بوعيه بذاته خطابًا مفارقًا، له آلياته التي تختلف عن الخطاب التاريخي والخطاب اليومي، وله وظيفة تتجاوز “الإخبار” إلى “الابتكار”. كما لن يكون حدثا في ذاته ما لم يكن الشاعر واعيا بآلته التي لم يملكها غيره. وإذا ما تمّ له ذلك، لن يكون مجرّد طفل يتعلّم بقدر ما يكون طفلا يلعب… يبعثر الموجود، يجرّده من معانيه، يفكّك علاقاته، ثمّ يشحنها بمعان جديدة ويعيد ترتيبها بالشكل الذي يريده. وفي النهاية نحصل على كون جديد، رؤياوي، لا وجود له إلاّ في اللغة وبها. وقدر هذا الكون أن يكون مجرّد مشروع لا يكتمل إلاّ جزئيّا ومؤقتا، لأنّ الشاعر سرعان ما يتخلّى عنه ليعيد التشكيل من جديد غير عابئ بالمتلقّي المنبهر والمحتار.

   ستتخلّى اللغة، عندئذ، عن كونها وعاء للأحداث والأفكار، وتصبح هي الحدث. وتمّحي الفواصل العقلانيّة بين الشكل والمضمون لتتحقّق الوحدة العضويّة. لذلك يعتبر الوعي بها شرطا أساسيّا من شروط النصّ الحدث.

   على أنّ الترقّي باللغة من “لغة الحدث” إلى “اللغة الحدث” لا يتمّ أو يكون له وجود إلاّ إذا استند إلى ملكة ابتكار فريدة تخلّص اللغة من “زمنها الموضوعي” وتلقي بها في “زمن شعري” متحرّر من المنطق الفيزيائي[29]، وتنقلها من مستوى “وصف الواقع” و”تشخيصه” إلى مستوى “الكشف عن المجهول” و”ابتكار المحتمل”، ومن مستوى “العلم بالشيء” إلى مستوى “الحلم به”[30]. فلا تكون اللغة الشعريّة فوق “اللغة السائدة” إلاّ إذا تخلّصت من سلطة العقل والمنطق واستنارت بنور الخيال واهتدت بهدي الحدس واحتكمت إلى البصيرة عين القلب. فالعقل هو أسوأ أعداء الشعر لأنّه يجمّد تصوّر العالم في سلسلة من التناقضات (الواقع في مقابل الممكن، العمل في مقابل الحلم…) كما يقول أدونيس. أمّا الخيال فهو معيار المعرفة، وهو الملكة الحقيقيّة المولّدة للغة الشعريّة العليا، لأنّه قادر على تجاوز حدود العقل، وفي رحابه فقط تتآلف الأضداد وينوجد ما هو محال الوجود. فالخيال هو الفضاء الذي يستوعب “الواقع” و”الممكن” و”المحال” معا. وفي حضور هذه الأكوان متجاورة في رحاب الخيال ترسيخ للاعتقاد بتعدّد إمكانيات الوجود.

  ولعبد الفتاح بن حمّودة (إيكاروس) وعي معلن باللغة في مستوياتها المتعدّدة، وبتميّزها وبخطورتها. ولعلّ المقدّمة التي افتتح بها “الملكة التي تحبّها العصافير” تمثّل خير شاهد على ذلك (وقد تأكّد هذا الوعي في كتابه “حركات الوردة”[31]). إذ يقول في تلك المقدمة التي سمّاها: “الملكة التي تحبّها العصافير: فتنة الحكاية، إيقاع المياه فوق الحجارة”: “قدر الشفويّ […] أن يتحوّل إلى وردة تدوين، إلى كتابة. حيث المحكيّ يظلّ محكيّا فيما هو يُكتبُ شعريّا عبر أخطر آلة: اللّغة”[32]. وله في “حركات الوردة” إشارات متكررة تشي بذلك الوعي باللغة وبالكتابة وبالقصيدة.

  لا يمكن أن نحصر وعي الشاعر باللغة في بعض التصريحات والتلميحات المضمّنة في المدوّنة المقترحة فقط، بل إنّ محاولاته النقديّة، على قلّتها[33]، تعبّر عن ذلك الوعي. فما النقد إن لم يكن بحثا في مظاهر الترقّي اللغوي من الوظيفي إلى الشعري؟

  ومع ذلك، فإنّ هذا المجهود مازال في حاجة إلى تعمّق نظري وإحاطة نقديّة سواء في كتابات هذا الشاعر أو في كتابات من ينخرطون معه في الحركة الشعريّة الجديدة الموسومة “حركة النصّ”. ولكن غياب الخطاب النّظري حول الوعي باللغة لا ينفي حضوره في ذهن الشاعر، ولعلّ أفضل معبّر عن هذا الحضور هو النصّ نفسه.

  • آليات العبور من “الوظيفي” إلى “الشعري”:

 نكاد نجزم أنّه لكلّ فترة إبداعيّة رؤية خاصّة، ولكلّ رؤية فلسفتها التي تختار من الآليات ما يعبّر عن مقولاتها. بل أصبح، منذ ظهور المدارس الإبداعيّة المتزامنة، لكلّ مدرسة (اتجاه/ حركة) آليّاتها. وقد اختار عبد الفتّاح بن حمّودة (إيكاروس)، مسارا شعريّا حاول التميّز بآليّات إبداعية تختلف عمّا درج بين شعراء التسعينات، بلْه من قبلهم، في تونس. وهو مسار تُوِّج بظهور “حركة النصّ” التي أصدرت كتابها الدوريّ الأوّل سنة 2015[34]. و”التجريب” هو خاصيّة هذا المسار. والتجريب مصطلح واسع إلى حدّ التسيّب. لذلك نحاول الإمساك ببعض تلابيبه في الأثرين المختارين. ولعلّ أهمّ أشكال التجريب في هذين الأثرين: “مسرحة الحدث الشعري” و”الترميز”. وهذان يمثلان، في تقديرنا، آليتين من آليات العبور.

  • “مسرحة الحدث الشعري”:[35]

  نقصد بمسرحة الحدث الشعري ذلك التعامل الفرجوي مع الحدث. فالحدث، بما هو فعل مؤطر زمانيا ومكانيا ينسب إلى فاعلين، قابل للتشكيل الفنّي الذي ينقل المتقبّل من حالة الوعي بالحدث إلى حالة الوعي بالنص الناقل للحدث، ومن حالة الوعي المأساوي إلى حالة الوعي الإبداعي، ومن بهجة اكتشاف الحدث إلى غواية النص وفتنته.

  ومن مظاهر التشكيل الفرجوي للحدث، في “الملكة التي تحبّها العصافير”، ذلك التصرّف المسرحي في شكل النص الذي مزج بين أصوات مبهمة تتولّى أدوارا متداخلة: أصواتِ فواعلَ يتحاورون تتصدّر مخاطباتِهم الشعريّة علامات نصيّة تستعمل عادة في الخطاب المسرحي (المطّات والنقاط)، وأصوات رواة لا تعلن عنهم إلاّ تلك الفقرات الموضوعة بين معكّفات تتخلل الحوار. وليس لهذه الفقرات دور الإشارات الركحية في النصوص المسرحية المعهودة، وإنّما هي امتداد رؤياوي للمقطع الحواري الذي سبقها. يقول مثلا:

* ماذا رأيتَ هذا اليوم؟

– شربتُ وردةَ النّعاس.

– سخرت من ضحكات البحر والتماع الندى.

   [* هكذا أحيا الصباحَ. تسخر روحي من الموتى و إيقاع الخمور الحمراء. أسخر من لذّات مسمومة قفزتْ من نجمة أكتوبر إلى قلبي و بدأتْ تأكل أصابعها]. (الملكة، ص22)

   لا يساعد “الإنشاد” على تلقّي هذا المقطع الشعري بقدر ما تساعد “قراءته” أو “تمثيله”. والسبب هو هذا “الامتداد الإسنادي” في الخطاب. فالأفعال تسند إلى المخاطب المفرد في “الردود” وفي “الإشارة” المؤطرة بمعكّفين. والمعجم المعتمد يشترك في مشتقات “السخرية” هنا وهناك.

  إنّ تداخلَ الأصوات، وإسنادَها إلى فواعل مسرحية مبهمة، مساهمان في تأسيس جانب آخر من “مسرحة الشعري” يتمثّل في ما نسمّيه “التوازن الكمّي” بين “الكتل” التي يمثّلها الفاعلون، غالبا. إذ تتجاور “الشمس” مع “النجمة” مع “الشاعر” مع “العصافير” تجاور المتوازنات حجما وعقلا… فالفاعلون يتجرّدون من أحجامهم الحقيقيّة ليتلاقوا في فضاء مبهم يتسع لكلّ الكتل. وفي تلاقيهم تتمّ المحاورة المستعصية بين العاقل وغير العاقل، الناطق وغير الناطق، ما كان عظيما وكان حقيرا… يقول في “الملكة التي تحبّها العصافير”:

  * قلت للشمس:

        – بعد قليل تغادر العصافير. (الملكة..، ص25)

   ويقول في موضع آخر:

* تحطّ نجمة أكتوبر بغتة ومن جلبابها الأبيض تأخذ ضحكتها. (الملكة…، ص30)

   ويقول في موضع ثالث من نفس الكتاب الشعري:

    [* تصل الشمس باكرا….

         لذلك تعرف العصافير نجمة تبكي في أكتوبر

         واضعة رأسها بين يديها] (الملكة…، ص48).

   يكتسب الفاعل المسرحي – الشعري صورة جديدة ويتحوّل من كينونته الأولى إلى كينونة ثانية. وفي تحوّله يشحن بدلالات جديدة تضفي على الحدث صبغة رمزيّة تنفي عنه كلّ سذاجة. إضافة إلى أنّ تلك الدلالات الجديدة تساهم في خلق كون شعري سوريالي يحتضن الحدث في أبعاده الجديدة. فالشاعر، حين يختار الفاعلين في النص ويوزع عليهم الأدوار ويلقي على ألسنتهم مخاطبات شعريّة متفاوتة المدى، يحاول أن يؤثّث الفضاء الذي يتحرّك فيه الفاعلون ويوضّب الركح ويتحكّم في الإضاءة ويختار الأزياء. فالفضاء يراوح بين الانفتاح والانغلاق، على الروابي وداخل البيوت، في الطرقات الممتدّة وعلى عتبات المنازل، في شواطئ البحر وعلى الشرفات العالية… ولكل فضاء ديكوره الخاص، وألوانه الخاصّة، وإضاءته الخاصة. قد تنتشر الألوان على “الكتل” الثابتة كالأرض، أو على “الكتل” المتحركة كالفاعلين. فـ”نجمة أكتوبر” قد تكون “بيضاء” أو “خضراء”، و”الأرض” قد تكون “حمراء”، و”الوردة” قد تكون “بيضاء”، ويكون “القمر” “أزرق”… ولكن اليقينيّ هو أنّ اللون يلعب دورا مهمّا في تشكيل المشهد الشعري في النص، وأنّه في بعض المواقع ناتج عن أثر الضوء الذي يوليه الكاتب أهميّة كبرى مقارنة ببقيّة “المركّب الفنّي” في النصّ. فليس من الاعتباطي أن يفتتح كل مشهد بما يسميه الكاتب “إضاءة”، وليس من الاعتباطي أن يجعل من الفاعلين “شمسا” (بما توحي به من إضاءة قويّة) و”نجمة” (بما توحي به من إضاءة خفيفة). إنّ مصادر الضوء مهمّة في إبراز “الحدث” وحجبه. فللشمس دور الكشف وللّيل دور الحجب والإخفاء.

  يقول في “الملكة…” موظّفا تقنية “التبئير” باعتماد ضوء الشمس:

    [* تصل الشمس باكرا….

       لذلك تعرف العصافير نجمة تبكي في أكتوبر

        واضعة رأسها بين يديها] (الملكة…، ص48)

فلولا الشمس ما عرفت العصافير حجم الألم الذي تعانيه نجمة أكتوبر. ويقول في موضع لاحق من نفس الأثر مجاورا بين مكوّني “النور” و”الظلمة”:

  […..

   تتعرّى الأشجار بفعل كتْلات الضوء

   ….]

– ألا ترين أجنحة الليل؟

– عرفت الشاعرَ وجمعت بلّور يديه. (الملكة…، ص49).

  في هذا المقطع، يوحي الضوء بالوضوح، في حين يوحي الظلام (الليل) بالانكسار والتهشّم. ولعلّ هذه الثنائيّة المتنافرة هي واحدة من مجموعة الحركات النفسيّة والماديّة التي تميّز المشهد المسرحي في هذا النصّ. فهو لا يخلو من حركيّة وحيويّة ذات أبعاد فرجويّة وتخييليّة. و”الحركة”، سواء كانت نفسيّة أو ماديّة، هي أهمّ ما يجسّد الحدث في هذا النصّ. لذلك تحتشد في النصّ أفعال تجسّد تلك الحركة من قبيل: أكسر، أحطّم، قرأت، صوّرت، عاتبت، أكتب، أضع، تصعد، تأكل، تغادر، تتمزّق، تذهب، تفتح، انقشعت، أكلت، تدخل، يصعد، يلقي، تحطّ، نزلت، دقت، ذهبت، عاد، سار، أخذ، تخرج، تحتمي، تصبّ، تقرأ، تبصق، تجمع[36]… والأفعال تسند إلى مختلف مكوّنات المشهد المسرحي دون مراعاة للمنطق السائد. وفي هذا الاختراق للمعهود والمنطقي، تحفيز لملكة الخيال وإثراء لعمليّة التخييل.

  وقد لا يكون للفنّ المسرحي حظّ وافر في “ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة” كما له في “الملكة التي تحبها العصافير”. بل إنّ حظّه في الكتاب الأوّل قليل تجلّى في قصيدتين: الأولى هي “أغنيات الركح الصغير (أداء أوّل)” (ص28)، والثانية هي “مذبحة الركح الصغير (أداء ثان)” (ص30). و القصيدتان توهمان بعملية “المسرحة الشعرية”، لكنّهما تنأيان عنها بتنصيص الشاعر على أنّ “الركح الصغير” هو مقهى بتونس العاصمة. ومع ذلك يوظّف المصطلح المسرحي للإيحاء بأنّ الحدث فرجويّ فيجعله أداء أوّل وأداء ثانيا. بل قد يضمّن النصّ بعض تقنيات الكتابة المسرحية من قبيل “الحوار الفردي” و”تدخلات الراوي”، وقد يشير إلى الأداء الموسيقي المصاحب للحدث، وقد يركّز على حركات “الممثلين”… ولكن النصّ يخلو من البعد الدرامي في بنائه وتناميه ووظائفه، كما أنّه لا يغامر كثيرا في الاستفادة من الفنّ المسرحي لتشكيل نص شعري يمسرح الحدثَ دراميا.

   إنّ غرابة “الحيّز” ولامعقولية “الكتلة” وابتكار مصادر”الإضاءة” وسورياليّة “الحركة” وفي تراسل “الألوان” هويّتها، كلّ ذلك يجعل النصّ حدثا شعريّا ذا “مدلوليّة” عالية.

  • الترميز في قصيدة النثر:

    تعتبر عمليّة الترميز في الشعر من أرقى عمليّات التشكيل الفنّي ومن أقدمها. والسبب في رقيّها هو تميّز علاقة الرمز بالموضوع عن علاقة الإشارة والصورة به. فإذا كانت علاقة الإشارة بالموضوع علاقة “مجاورة”، وكانت علاقة الصورة به علاقة “مشاركة”، فإنّ علاقة الرمز بالموضوع هي علاقة “ابتكار”. والرمز موكول إلى الاستعمال الجماعي أو الفردي: فإذا أوكل إلى الاستعمال الجماعي فإنّ أمره إلى الاتفاق، وحينئذ يكون في عرف المنظرين “رمزا هابطا”. والقصد من ذلك هو الشيوع والتداول إلى الحدّ الذي يجعله قريبا من الخاصة والعامّة، ويسهل الوصول إلى مدلوله. وأما إذا أوكل إلى الاستعمال الفردي فأمره أكثر تعقيدا. ويكون في عرف المنظرين “رمزا صاعدا”. والقصد منه هو ترقّي الدالّ اللغوي من الاقتران بمدلول معهود إلى الاقتران بمدلول آخر متفرّد أشمل وأدقّ. ومثاله اقتران “الحمامة” بـ”السلام” عند بيكاسو. فما كانت الحمامة قبله ترمز إلى السلام. ولكن تحويله العلاقة بين الدال والمدلول من علاقة مجاورة ومشاركة بين الصورة والكائن الحقيقي إلى علاقة ابتكار فردية ثمّ جماعيّة، جعل هذه الصورة تكتسب قيمة الرمز الصاعد. وقياسا على ذلك يمكن أن نقيس مستويات الترميز في الأثرين المعتمدين في البحث.

   وللرمز في المدوّنة المختارة تجليات. وهو، أيضا، أنواع وأصناف. فمنه ما صار “رمزا هابطا”. ومثاله الرمز الأسطوري “إيكاروس/ إيكار”، والرموز السياسية “شكري بلعيد” أو “محمد البراهمي” (الحاضرين في إهداء قصيدة “مهنة قديمة”)، والرمز الثوري “محمد البوعزيزي” (الحاضر في إهداء قصيدة “شيطان النهر”)… وغيرهم ممن اكتسب شهرة اقترنت بحدث معيّن فأصبح رمزا لها. ومنه ما هو “رمز صاعد” للشاعر مزيّة ابتكاره أو إشاعته في الخطاب الشعري العربي المعاصر. ومثاله رمز “الوردة” الذي أصبح مقترنا في كتابات عبد الفتاح بن حمّودة بـ”النص الشعري” وبـ”الكتابة” و”التدوين” عامة. لذلك تقترن لفظة “الوردة” في كتابات إيكاروس بحقل معجمي مخصوص في علاقة بالإبداع والمبدعين أو بالكتابة والتدوين. يقول في “الملكة التي تحبها العصافير”:

[*بِنْية الشاعر، وسيلتها المسمومة بالضوء

 محطّة همومها الصباحيّة، كل تلك الوردة

البيضاء تتألّم بينما نعناع الحروف بين

أصابعها..] (الملكة…، ص24).

و يقول أيضا:

 [* كانت الوردة قمرا تلمسه أصابع الشعراء في الشمال الإفريقي وليله البارد..] (الملكة…، ص60)

ويقول في موضع آخر من الأثر نفسه:

[….

ها هي الطريق:

    تطرد الوردة عنة من بيت الشاعر،…] (الملكة..، ص61)

ويقول في قصيدة “أشياء لا تحتمل خفّتها” من مجموعته “ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة”:

خائف من “سمكة أفريل”

من أمطار لزجة في ماي السكران

من وردة منثورة في تاريخ “ابن خلدون”. (ما لا تقوله…، ص32)

  لن يكون لـ”الوردة” قيمة الرمز الصاعد ما لم تمتدّ إلى نصوص إبداعيّة أخرى للشاعر نفسه ولشعراء وكتاب آخرين. فالامتداد هو الضامن لبعدها الرمزي الخالد. وللوردة حضور في كتابات الشعراء والروائين التونسيين ممن لهم علاقة إبداعية بعبد الفتاح بن حمودة من أمثال صابر العبسي في كتابه الشعري “الوردة في منديل أبيض” أو السيد التوي في روايته القصيرة “وردة الفجر” أو رضا العبيدي في كتابه الشعري “الوردة ملء الليل” وغيرهما.

خاتمة:
إنّ قيمة الحدث، في النص الشعري، مزدوجة توثيقيّة وإبداعيّة. فهو، من ناحية، يشدّ النص إلى واقعه ولا يجعله مجرّد هذيان منبتّ عن ظروف إنتاجه، وهو من ناحية أخرى مساهم في تشكيل نصّ متميّز. والحدث في كتابات عبد الفتاح بن حمّودة تولّى المهمّتين. غير أنّه حقق الوظيفة الشعريّة في “الملكة التي تحبها العصافير” أكثر من الوظيفة التوثيقيّة الإخباريّة، فمال الأثر إلى التشكيل السوريالي الذي يطلعنا على إمكانيات أخرى للوجود. أمّا في كتاب “ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة”، فإنّ الحدث حقق الوظيفة التوثيقيّة أكثر من الوظيفة الشعريّة. فمال الأثر إلى لغة الحياة اليومية وخفتت نزعة التجريب وطفت المشاهد التصويرية التي تتخللها رسائل واضحة المعالم. أ فيمكن اعتبار ذلك نكسة في مستوى التجربة؟ أم هو مجرّد تنويع في الإنتاج مراعاة لكفايات المتقبلين؟
المراجع 
 

[1] – أخذت هذه المصطلحات من كتابات أدونيس:

– زمن الشعر، بيروت، دار الفكر، ط5، 1986، صص63-144.

 – سياسة الشعر، بيروت، دار الآداب، ط2، 1996، صص18-21، صص125-136، صص169-183.

 – كلام البدايات، بيروت، دار الآداب، ط1، 193، صص107-115.

[2] – أدونيس: كلام البدايات، ص203.

[3] – أدونيس: زمن الشعر، ص71.

[4] – م.ن: ص.ن.

[5] – أدونيس: كلام البدايات، ص203-204.

[6] – م.ن: ص204.

[7] – م.ن، ص203.

[8] – م.ن: ص32.

[9] – أدونيس: زمن الشعر، ص148.

[10] – أدونيس: الثابت والمتحوّل، بيروت، دار الساقي، ط8، 2002، ج4، ص49.

[11] – أدونيس: زمن الشعر، ص71.

[12] – أدونيس: الثابت والمتحوّل، ج4، ص49.

[13] – أدونيس: زمن الشعر، ص72.

[14] – عن دار الاتحافـ، تونس، ط1، 2002.

[15] – صادر عن دار أروقة للترجمة والنشر، القاهرة، 2016.

[16] – يراجع التقديم الموسوم “مدخل إلى تجربة الشاعر”، ص11 وما بعدها.

[17] – عبد الفتاح بن حمودة: حركات الوردة، تأملات شعريّة، نابل/ تونس، دار زينب، ط1، 2014.

[18] – تراجع أطروحتنا: إشكاليات المصطلح لدى النقاد العرب المعاصرين، أدونيس وجابر عصفور نموذجا (مخطوط)، ص326 وما بعدها.

 ويراجع:

– Mériam Korichi & Christian Hubert-Rodier : Notion d’esthétique, Paris, Folio, 2007, p179.

[19] – للمبدعين، وإيكاروس واحد منهم، وعي بدور الحواس في العملية الإبداعيّة. وقد يعبرون عنها تعبيرا مباشرا، وقد يعبرون عنها تعبيرا استعاريّا. يفسّر إيكاروس مفهوم “الأمتعة” عند نيكوس كازانتزاكيس بقوله:” الأمتعة: الحواس التي يحملها معه الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس”. حركات الوردة، فصل “الكتابة بالأمتعة (1): الجبال حدثا شعريّا يُعاش”، ص16.

[20] – يقدّم الشاعر لكتابه الشعري الملكة التي تحبها العصافير، قائلا: “هذه ملحمة الشّاعر التونسي المعاصر، أخذت من الأساطير والخرافات اليوميّة، وظلّت مكتوبة شفويّا يحفظها الأصدقاء… تحفظها الرّسائل وتعمّدها الأشجار بالدّموع والصّلوات الطّاهرة”. ص13.

[21] – عبد الفتاح بن حمودة: حركات الوردة، ص12.

[22] – خصص الشاعر خمسة فصول في كتابه “حركات الوردة” سماها “الكتابة بالأمتعة”، وجعل لكلّ فصل عنوانا فرعيّا. وقد وسم العنوان الفرعي في الفصل الأول “الجبال حدثا شعريّا يُعاش”، ص12-16. وفيه يقول: “النور (نور النصّ) العائم الذي يتردّد في الشمس، مأتاه تحرّك الجبال في البحر”، ص13.

[23] – حركات الوردة: ص140.

[24] – الملكة التي تحبها العصافير، ص13.

[25] – للشمس، في “الملكة التي تحبّها العصافير، حركة تتراوح بين “حضور” و”غياب”:

  – “الشمس غائبة هذا اليوم يا حبيبتي”، ص31.

  – “تخرج الشمس العاشقة صباحا”، ص35.

  – “تصل الشمس باكرا…”، ص48.

  – “ماتت الشمس يا أصدقائي”، ص64.

[26] – تراجع: إضاءة (2).

[27] – أثر للشاعر، صدر عن الدار العربيّة للكتاب، 1996.

[28] – للشاعر قصيدة بهذا العنوان ضمن “ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة”، صص19/20.

[29] – يقول عبد الفتاح بن حمودة متحدّثا عن “الملكة التي تحبها العصافير”: “.. وُلدتْ قديما لكنّها تحوّلت إلى نصّ مكتوب متأخّرة عن “زمنها الخاصّ” لتشغل زمنا آخر شعريّا بالضرورة”. الملكة التي تحبها العصافير، ص13.

[30] – اختار إيكاروس أربع إضاءات تمهّد كل واحدة لقسم من قصيدته الغزليّة “الملكة التي تحبّها العصافير”. واحدة مقتطفة من “المنشقّ” لنيكوس كازانتزاكيس، وإثنتان مقتطفتان من “شاعريّة أحلام اليقظة” لغاستون باشلار، أما الرابعة فمقتطفة من كتابه “حركات الوردة”. وقد وردت في النسخة المطبوعة بالصفحة 138. وكلّ هذه الإضاءات تتضمّن حديثا عن “الحلم”.

[31] – عبدالفتاح بن حمودة: حركات الوردة، تونس، ط1، 2014. ومن بين ما يقوله في هذا السياق: “وسمّيت النصوص النثريّة الشعريّات المفتوحة الحاملة لشعريتها المخصوصة في ذاتها، كما هي، غنيّة بالضرورة بسياقات لغويّة جديدة وبعلاقات نحويّة تجدها في جنوح إلى الصورة البكر. مأخوذة بدلالات خارجة عن لغة القواميس الجافّة في مجملها. وأعدت كلّ شيء إلى عمق الاهتمام بالذّات في علاقتها المتينة بالأسماء والأشياء، بالثقافة والطبيعة، مع إضافة عنصر أصيل في كلّ عمليّة إبداعيّة وهو الطيران أو الجنون وبناء على ذلك وصلت إلى وردة مجروحة دائما: اللغة و الوجود وهشاشة الكائن والذات كاتبة أو قارئة”. ص10.

[32] – الملكة التي تحبها العصافير، ص13.

[33] – نشير إلى مقاله: “التجربتان الشعريتان المعاصرتان في تونس والمغرب: من القصيدة إلى النصّ (سكينة حبيب الله وخالد الهداجي أنموذجين)”، تونس، مجلّة الحياة الثقافيّة، س. 40،ع. 263، سبتمبر 2015، صص54-70.

[34] – عن دار رسلان للطباعة، سوسة (تونس) سبتمبر 2015.

[35] – نستفيد في هذا العنصر من كتاب: كريم رشيد، جماليات المكان في العرض المسرحي المعاصر، من المكان الخرافي ما قبل الفلسفة إلى العصر الحديث، كتاب دبي الثقافية، ع 135، ط1، أكتوبر 2015.

[36] – نكتفي بالإضاءة (1) من “الملكة التي تحبّها العصافير”، صص21-36.

المصادر و المراجع:

  • المصادر:

– عبد الفتاح بن حمودة (إيكاروس): – الملكة التي تحبها العصافير، تونس، دار الاتحاف للنشر، ط1، 2002.
– حركات الوردة، نابل (تونس)، دار زينب للنشر، ط1، 2014.
– ما لا تقوله الفأس وتذرفه الغابة، القاهرة، دار أروقة للنشر جانفي 2016.

  • المراجع:

نذكر من المراجع ما عدنا إليه بشكل مباشر.
– أدونيس (علي أحمد سعيد):
* الثابت والمتحوّل، بيروت، دار الساقي، ط8، 2002.
* زمن الشعر، بيروت، دار الفكر، ط5، 1986.
* سياسة الشعر، بيروت، دار الآداب، ط2، 1996.
* كلام البدايات، بيروت، دار الآداب، ط1، 1993.
– بومزراق (عياد): إشكاليات المصطلح لدى النقاد العرب المعاصرين: أدونيس وجابر عصفور نموذجا (مخطوط).
– رشيد (رشيد): جماليات المكان في العرض المسرحي المعاصر، من المكان الخرافي ما قبل الفلسفة إلى العصر الحديث، كتاب دبي الثقافية، ع 135، ط1، أكتوبر 2015.
– Mériam Korichi & Christian Hubert-Rodier : Notion d’esthétique, Paris, Folio, 2007