تراتيل ” الألم الأعظم”  قراءة في رواية: قاعة الانتظار

      تراتيل ” الألم الأعظم”  قراءة في رواية: قاعة الانتظار

مليكة فهيم

بعد عدة تجارب في القصة القصيرة وفي الترجمة، انتقلت الكاتبة الزهرة رميج إلى كتابة الرواية. منذ روايتها ” أخاديد الأسوار”، ثم روايتها الثانية ” عزوزة”، التي لقيت ترحيبا متميزا لذى مجتمع النقاد، وهي تنبش في أسئلة الهوية المغربية والذاكرة. مرورا برواية ” الناجون” التي حظيت هي الأخرى بمكانة خاصة ضمن تراكمات المنجز الروائي المغربي بوجه عام، ومنجزها الشخصي بشكل خاص. وتعتبر رواية “قاعة الانتظار” آخر إصدار لها، إذ صدرت سنة 2019، عن دار سليكي أخوين، تتكون من 52 فصلا، مؤطرة بفصلين مستقلين هما: “ما قبل البداية” و” ما بعد النهاية”، موزعة على 526 صفحة من الحجم المتوسط، إهداء إلى ” كل من اكتوى بنار السرطان الخبيث سواء في جسده أو في أحبته”. يتوسط الغلاف ساعة، التي تحيل على الوقت والزمن والصيرورة.

تعتبر رواية ” قاعة الانتظار”، نصا يبرز الواقع المؤلم لمرضى السرطان، ويعرض لآلام أسر ضحايا السرطان ووصف واقع الصحة بالمغرب في تعامله مع مرضى السرطان بوجه خاص.

العنوان:

يفيد العنوان المكون من كلمتين ” قاعة” و “الانتظار” من الناحية التركيبية الإضافة: (القاعة) مضاف و (الانتظار) مضاف إليه،تفيد التعيين والتحديد. تكرر العنوان عدة مرات في الرواية (ص 32/74/99/174/187/189/194/524)، يفيد في الصفحة 31/32، مكان يخصصه الطبيب لمرضاه المنتظرين دورهم. تقول الساردة: “نهضت فدوى دون أن تنبس بكلمة، وقد فهمت أن الدكتورة أنهت المقابلة التي لا شك أنها طالت أكثر من اللازم على حساب وقت المرضى المزدحمين في قاعة الانتظار” . أما في باقي الصفحات، فالمقصود بها قاعة بمصحة السعادة، حيث يتلقى يوسف علاجه الاشعاعي والكيماوي، مخصصة للمرضى ولأهاليهم الذين يصحبونهم. تقول الساردة: ” أدارت فدوى عينيها في اتجاه قاعة الانتظار. بدا لها الرجال والنساء في صحة جيدة. وجدت صعوبة في التمييز بين المرضى والأصحاء من الأهالي الذين يرافقونهم.” وإذا كان مكون الفضاء مكونا رئيسا في الممارسة الروائية، فإنه في هذا العمل بالذات يكتسي طابعا أكثر عمقا وتحديدا. فهو فضاء مرجعي يحيل على مكان تتحرك فيه الشخصيات وتقع فيه الأحداث ويمارس فيه الفعل، وهو أيضا مكان تخييلي يحيل على الذات في شتى تجلياتها (أحلام – انكسارات – أمل – تعاطف – ترقب- بوح- توجس- حزن – سعادة-حوار- تضامن) . ” ورغم ما قد يتضمنه الانتظار، في بعض تجلياته، من أمل مهما كان ضئيلا، فإن الانتظار عموما ضرب من المعاناة التي لا تنتهي، ذلك أن الانتظار سلطة قهرية مؤلمة تجثم على المنتظر، تعبير عن صورة الزمن المسترخي والراكد. كما يحيل على فكرة الزمن وارتباطه بالديمومة عند برغسون، فالإنسان عبارة عن نهر يسيل باستمرار، وهذا التركيز على ملمح الحياة الباطنية، أي اعتماده على الحالات الشعورية والنفسية هو الدعامة الأساسية التي ركز عليها الأدب. إذ يشبه مفهوم الزمن النفسي عند برغسون المفهوم الأدبي، وخاصة عندما يلجأ الكتاب إلى تحليل العالم الداخلي للشخصية. ويمكن أن نستدعي كذلك، العنوان المشهور لمسرحية المسرحي والروائي والشاعر الإيرلندي صموئيل بيكيت/ Samuel Beckett “في انتظار غودو”. انتظار الذي يأتي ولا يأتي، أي التعبير عن رحلة الاغتراب الوجودي التي يحس بها الفرد. ذلك أن لقاعة الانتظار في الرواية، دلالات أكبر من كونها مكان مرتبط بالمريض وأهله: تقول الساردة على لسان يوسف: ” لماذا نعاني في هذا البلد السعيد من آفة الانتظار الدائم؟ أينما وليت وجهك، تجد الانتظار في انتظارك ! كيف يتكلمون عن الحداثة والحكامة وما لست أدري من المصطلحات الرنانة، ومع ذلك، ما تزال الأمور تسير سير الحلزون؟ وما يزال قانون ” قضاء الحاجات بتركها” ساريا؟” ولكن يغدو استعارة كبرى، كل المغاربة يقطنون تلك القاعة، وينتظرون أن تدور عجلة التغيير بشكل إيجابي. ” إلهي…ألا ينتهي جحيم الانتظار؟ ص525.

الحدث في الرواية

الحدث في الرواية ينمو ويكبر ويتعقد وينتهي. نصادف بدايته في الصفحة 25، عندما أخبرت صديقة الدراسة الطبيبة منال الراشدي فدوى بأن نتائج تحاليل الدم والسكانير تؤكد إصابة زوجها يوسف بسرطان المريء والكبد، وبأن المرض في مرحلته الأخيرة، وبأنه لن يعيش أكثر من ثلاثة أشهر. لتبدأ رحلة ألف ميل الصعبة التي ستعيشها فدوى بأدق تفاصيلها: أمل وخوف وترقب وهلع وتضامن وتضحية وحب وتفاني. هذا الحدث منح مسار السرد شحنة عالية نحو الانفجار والتدفق اللا متناهي لسلسلة من الأحداث انبثقت عن التفاعل القائم بين الشخصية/ البطل في الرواية وباقي الشخصيات التي تؤثث عوالمها الممكنة عن طريق الحكي.

الشخصيات

تتمتع الرواية باعتبارها ممارسة إبداعية، بعدة إمكانيات لإقامة حوارها مع الذات والعالم، وقد استطاعت رواية “قاعة الانتظار” أن تمنح الفضاء والشخصيات صوتا مسموعا، تشد القارئ عبر انسيابية الأحداث وتعدد اللغات والإيقاعات وتعدد الرؤى وتنوع الأصوات. وتزخر الرواية بالشخصيات الرئيسية والثانوية والعابرة. إن تعدد الشخصيات واختلاف تاريخها الشخصي في النص يعد مؤشرا على تجدر علاقتها بالواقع الاجتماعي الراهن من خلال أدلة قابلة للوصف والإدراك من جهة، ومن جهة أخرى لا يمكن أن تصور عالما تخييليا يعج بكائنات وأحداث لا نعرف عنها شيئا؛ وتأسيسا على ذلك، لا ينضج العالم الفني إلا باستدعاء العوالم الممكنة التي تؤطر التخييل والسلوكات والانفعالات والأشياء.

شخصية فدوى: تستحوذ على الرواية شخصية فدوى، الزوجة العاشقة حد الوله لزوجها يوسف الذي يمثل لها العالم المتماسك، الذي ينهار ويتهاوى بدون وجوده معها فيه. زوجة مقاتلة وشرسة، مليئة بالأمل والإرادة، ” آه يا يوسف ! أعاهدك أن أفعل المستحيل لتعيش معنا العمر كله، حتى ترى عاطفا رجلا، ودنيا امرأة…حتى تراهما يحققان ما تحلم لهما بتحقيقه مستقبلا… حتى ترى أحفادك…” استطاعت أن تمكن يوسف من العلاج في أكبر مصحة بالبلد ” لا أثر للفقراء في هذه العيادة ! كل المرضى ينتمون إلى الفئات الميسورة، أقلها الطبقة المتوسطة التي تنتمي هي ويوسف إليها والتي تكافح وتصارع من أجل حياة كريمة، وتتشبث بأسنانها وأظافرها كي لا تجرفها رياح الأزمات الاقتصادية والارتفاع الجهنمي لتكاليف المعيشة الذي يتهدد هذه الطبقة بالسقوط في أتون الفقر المدقع.” وأن تمكنه أيضا من نظام غذائي مكلف جدا. وهي المعشوقة أيضا، إذ يبادلها يوسف نفس الحب والتقدير. كتومة ومتحفظة، وهي الشخصية الواعية والمكتملة، الواسعة الثقافة، صاحبة نضج اجتماعي وسيكولوجي، تتمتع بالقوة والصلابة والجرأة والنقاء والمبادرة والتضحية والوفاء. تتكثف فيها الأصوات والمواقف والرؤى.

شخصية يوسف: يوسف رجل وسيم، محب للحياة، محب لزوجته وابنيه (طارق ودنيا)، موظف ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، عانى من بطش مرض سرطان المريء والكبد، وهو في سن الخمسين. واقعي، واضح، يكره النفاق، له مواقف عميقة من قضايا الوطن والوجود. شخصية مهيمنة بحكم ارتباطها بالحدث، ترمومتر جسده المريض متحكم في مسار السرد، فهو المرآة العاكسة والمحرك الرئيسي لدواخل فدوى، وهو البطل الاشكالي، المقذوف به في عالم غير موثوق فيه، وعليه أن يواجهه داخليا من خلال جسده المنذور للألم.

شخصية ميرة: اعتمدت الكاتبة على تقنية الحوار لكي تنحت شخصية ميرة: ” اسم أمازيغي أصيل يعادل الاسم العربي مريم” ، ابنة فدائي قاوم الاستعمار الاسباني، تنتمي إلى مدينة الحسيمة، من خلال الحوار ربطت فدوى بين ميرة واسم الجنية ميرة التي تنتمي إلى عائلة ملوك الجان، تقول الساردة على لسان فدوى: ” –صحيح ! كل مواصفاتها مجسدة فيك ! سحر لا يقاوم ونخوة وعزة نفس. حتى جلبابك يطغى عليه لون الخردل القريب من اللون الأصفر !”ص176. مصابة بالسرطان، شخصية تلقائية، روح معنوية عالية، صريحة، منفتحة، مرحة، تملك طاقة إيجابية كبيرة، ثرية جدا. استطاعت أن تنسج علاقة صداقة تلقائية مع يوسف. تقول الساردة من خلال الصوت الداخلي لفدوى : “ياه !كم توحد المصائب الناس، وتقرب المسافات بينهم” منحت الكاتبة شخصية ميرة رمزية قوية (الفصل 16)، إذ عبر حضورها في النص، فتحت الباب على مصراعيه على الذاكرة التاريخية، المعبرة عن الهوية المغربية من خلال استحضار قضية الريف والاستعمار الاسباني، والتضحيات الجسام التي قدمها أبناء عبد الكريم الخطابي الأشاوس من أجل الاستقلال، والتي لقيت جحودا من طرف الوطن. ” وهذا التفاعل بين السرد والتاريخ يأخذ في تأويل بول ريكور بعدا إشكاليا، ومرونة كافية تصله بالتاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي. ففهم الحيوات الإنسانية يكون أثرى وأعمق عندما يتم تأويلها اعتمادا على محكيات ترويها الشخصيات حول حيواتها الخاصة”. تقول الساردة على لسان ميرة: ” ولماذا لا توفر للريف مستشفى خاصا بمرض السرطان؟ -إمعانا في عقاب أبنائه وإذلالهم، وتجنبا لإثارة المشاكل مع جارتها إسبانيا.” ص182.

ترتدي الكاتبة لباس السوسيولوجي وهي تفسر وتحلل الكثير من القضايا الحارقة بطرق فنية، تتضمن عدة رسائل. تقول الساردة على لسان ميرة ” – لصالح لوبي الفساد وناهبي ثروة البلاد وكارهي مصلحة الوطن لتلك الفئة الانتهازية التي لم تضح يوما لا بالمال ولا بالروح، ولكن ما أن تحقق الاستقلال بفضل تضحيات أبنائنا وأجدادنا، حتى خرجت من جحورها لتقتسم الثروة، ثم تتوارثها بعد ذلك ! ” ص185

نزهة: شخصية مثيرة للجدل، جريئة، منفتحة، تملك صالونا من أرقى صالونات الحلاقة والتجميل يسمى “نازاكا” بالقرب من توين سانتر، لباسها مكشوف ومستفز للمرضى وأهاليهم. التقت بها فدوى في مصحة السعادة، وجمعها معها حوار مريب حول الجنس وخيانة الرجال، إذ حاولت تشكيكها في وفاء زوجها ” بقولها لو كانت هي من أصابها السرطان لما ظل وفيا لها”ص261 ، لم ترتح لها فدوى، واعتبرت “كلامها دعوة صريحة للخيانة” ص262. عندما رأت نزهة بعض الشيب بشعر فدوى، نصحتها بالاهتمام بنفسها وبصحتها من أجل أولادها، وطلبت منها أن تزور صالونها لكي تصبغ شعرها وتقصه وتعتني بوجهها، وسيكون ذلك هدية منها وشجيعا لها لتصبح زبونة دائمة، ولترى ” المعنى الحقيقي لعناية النساء بأنفسهن وجمالهن ! ص266 لكن حقيقتها ستنكشف عندما تقترح عليها ركوب سيارتها للذهاب إلى الصيدلية لشراء دواء يوسف وفي الوقت نفسه، ستشتري دواء لابن خالتها عثمان الذي سيكون بانتظارهما، عندما أصرت نزهة أن ترافقها فدوى إلى داخل الفيلا، حيث مظاهر الثراء متفشية، وحيث يحاول عثمان التودد والتقرب من فدوى من مدخل حبهما المشترك للفن والشعر. تماسكت فدوى وتغلبت عل خوفها حتى نجت من المأزق الخطير، الذي جعلها تتذكر قصص اختطاف النساء وأوكار الدعارة وقصة العميد ثابث التي ألهبت الرأي العام المغربي في تسعينيات القرن الماضي، وجعلت بعض الجرائد تكسر أرقامها القياسية في سوق المبيعات.

شخصية حمادة أمغار: أب الطفل أسامة المصاب بالسرطان. ينتمي إلى مدينة ازغنغان وهي توجد قرب الناضور. تكفلت جمعية الأمل بتحمل تكاليف علاج ابنه، وهي جمعية خيرية توجد بالريف لصاحبتها السيدة ميرة ” أعرف أن صاحبتها من عائلة المقاوم بن مدني، وأن ابنها الخطابي مراد هو من يترأسها.” ص293″ ملامحه أقرب إلى الملامح الأوروبية، أشقر، طويل القامة، قوي البنية، شديد الأناقة.” ص291. حفيد ميمونت، تلك السيدة التي كانت تقوم بتدريب نساء الريف على حمل السلاح، ومساعدة الرجال في محاربة العدو الاسباني، استطاع أن يكسب ود واحترام يوسف، إلى درجة أنه أوصاه وصية غريبة وهي الحضور في أربعينيته، ومفاتحة فدوى في أمر الزواج به والتكفل بابنيه بعد موته. وهو الذي شجع فدوى على الكتابة عن محنة السرطان، بعد أن تتصالح مع ألمها، بل اقترح عليها عنوان الرواية: “الطيور الخضراء تغادر باكرا”.

فضاء الألم: السرطان “الألم الأعظم”

يعتبر الألم مكونا أساسا في رواية ” قاعة الانتظار”، فهو قوي الحضور. وقد تجلى بطرق مختلفة، حيث استطاعت الكاتبة أن تميط اللثام عن تجلياته، وإيقاعاته ودرجاته الجلية والمخفية، منذ أن عرفت خبر إصابة زوجها بالمرض، الذي جعلها تسبح في تمثل المرض في المتخيل الشعبي عندما كانت صغيرة. تقول الساردة: ” مرض مبهم يطلقون عليه أحيانا اسما لا يدل على مكان محدد. إذ يقولون: أصيب فلان ب” الحي”، أو ب”المرض الخايب”. وأحيانا أخرى، ينعتونه بعبارة ” الكافر بالله” (…) كانت تصاب بالرعب لمجرد التفكير في الإصابة به. إنه ” الكونسير” ! وصار القسم به أهم سلاح يقطع الشك باليقين ! وأصبحت النساء على وجه الخصوص يلجأن إليه كدليل قاطع على صدق كلامهن مستعملات هذه العبارة التي لا تترك مجالا للشك: “إلا كذبت الله يعطيني الكونسير!”، لتبدأ مسيرة العلاج الإشعاعي ومسيرة الألم أيضا: ” تمنت لو سمحوا لها بمرافقته كيلا يواجه وحده هذا العلاج الذي لا شك أنه رهيب. إذ كيف سيكون حاله، والأشعة تخترق صدره لتحرق الخلايا السرطانية الخبيثة؟” ص100 والطبيب أيضا كان سببا من أسباب الألم. تقول الساردة على لسان فدوى وهي تتحدث عن الطبيب حجاج: “كيف تنعدم الرحمة في قلوب الأطباء؟ كيف يتصرف الطبيب بتلك الفجاجة؟ المفروض أن يكون الطبيب إنسانا حساسا، يشعر بآلام المرضى، ويراعي نفسيتهم، ويعمل المستحيل من أجل إنقاذهم.” ص106لتتوالى لحظات العذاب مع العلاج الكيماوي وتدهور صحة يوسف، الذي رغم مجهوداتها الجبارة في البحث عن بدائل للعلاج من خلال البرامج الغذائية التي لها علاقة بمقاومة السرطان، والتي ساعدته في مقاومة المرض طيلة سنتين. تقاوم الألم أمام زوجها المريض حفاظا على معنوياته، من جهة، ومن جهة أخرى حفاظا على تماسك أسرتها الصغيرة. استطاعت الساردة أن تمنح الألم صوتا ومساحة و صدى ومسافة وشخصية وعالما لا حدود لرعبه. تقول الساردة على لسان فدوى: “كاد قلبها ينفجر هذه الليلة. كلما انتابتها حالة من الألم، ظنت أنها أصعب حالة تمر بها، غير أنها اكتشفت أن الألم حالات وأنواع ودرجات. وأن درجة الألم هذه الليلة، مختلفة تمام الاختلاف عن سابقاتها. أيقنت أن الآلام لا حدود لها، وأن الأنسان لا يستطيع سبر أغوارها دفعة واحدة. الألم عظيم وشاسع. ولا تستطيع نفس واحدة إدراكه في كليته. إنه مثل كوكب الأرض عبارة عن سهول وجبال وغابات ووهاد وشعاب، ولا أحد يستطيع رؤية صورته في شموليتها ما لم يصعد سلم الفضاء …أيقنت أن في الحياة أناس ارتقوا في آلامهم حد الاقتراب من تلك الصورة الكلية، وأن الحروب البشعة أكثر العوامل التي تقرب الإنسان من صورة الألم الأعظم، وأن السرطان لا يختلف في جوهره، عن هذه الحروب المدمرة.” أيضا تعتبر الكاتبة الوطن مسببا للألم، فالوطن الذي حلموا أن يكون راهنه ومستقبله أحسن من ماضيه، لم يتغير، بل يدعو إلى القلق أكثر من أي وقت مضى، بل تحاكم هذا الواقع وتجعله سببا غير مباشر في تفشي السرطان في جسد يوسف؛ تقول الساردة: ” لا فائدة من النقاش كما قال حمادة ذات مرة، لأن النقاش سيعمق الجرح، ولأن موضوع الوطن أصبح من مسببات ارتفاع الضغط، والسكري، وحتى السرطان … أليس التوتر والقلق أساس الأمراض؟ أليس الوطن أكبر مصدر لهذا القلق والتوتر؟”ص485.

فضاء الجسد وثنائية الموت/الحياة

يعتبر الفضاء مكونا سرديا، لا يتجلى إلا بفضل اللغة، باستطاعته أن يستوعب الأحلام والانكسارات والبيئة النفسية والأهواء والأحاسيس. وقد استطاعت الزهرة الرميج أن تصور بكثير من الحنكة السردية التحولات الجسدية والنفسية التي مر بها يوسف، من منتهى الصحة والعافية وحب الحياة، إلى أقصى وصف لحالة جسده المنهك والمتعب نتيجة تطور المرض في كيانه. تسترجع زمن الصحة والسعادة التي جمعته مع فدوى، معتمدة على الذكريات والتفاصيل الصغيرة التي تسعفها على استرجاع ماضيهما المشترك بكل إشراقاته ونضارته. تقول الساردة على لسان فدوى، وهي تصف الصورة التي التقطتها في عيد ميلاد زوجها يوسف: ” يا لها من صورة رائعة! قالت وهي تتأمل الصورة بإعجاب شديد. من يظن أن هذا الشاب الوسيم في الخمسين من عمره؟ سأعمل على تكبيرها ووضعها في إطار ذهبي يليق بهذه المناسبة التاريخية العظيمة !

وبلغة شعرية مثخنة بالحزن والأسى، تشبه فدوى زوجها، عندما أخبرته الدكتورة منال بإصابته بداء السرطان،” كأنه تائه في صحراء قاحلة، يكاد يموت عطشا، ولا واحة في الأفق. كأنه طائر جريح يحلق بعيدا ودماؤه تنزف من الداخل”. ص60 كما كان لوقع الخبر الصدمة على جسد فدوى ظاهرا. تقول فدوى على لسان الشغالة ” انتابها فرح طفولي وهي تساعدها على غسل شعرها، وتمرر كيس الصابون على جسدها. لكن فرحها سرعان ما تلاشى وهي ترى حالة الوهن التي بدت عليها. فهذا الجسد الذي لم تره قط، إلا منتصبا ومشدودا إلى الأعلى، بدا لها اليوم وكأنه شجرة منخورة إن لم تسند هوى إلى الأرض…”ص57. كما أنه على مدار الرواية، كانت هناك حوارية بين الجسد المنهك ليوسف وجسد فدوى الذي لم يعد له الحق في ترف المرض كما قالت. فهي تتظاهر بالصحة والمرح حتى لا تكون مصدر عطف وشفقة، حتى أنها استغربت كيف يستطيع جسدها تحمل أعباء أسرتها الصغيرة والعمل ومرض الزوج، ورغم الآلام التي تحس بها عندما تختلي بجسدها ليلا، تتعجب كيف تستيقظ كل يوم بنشاط وهمة عاليتين. تقول الساردة : ” لا شك أن انشغالها بمصيبة يوسف، جعل عقلها يرى أن كل ما عداه أمر تافه !.ص213. طيلة سنتين وفدوى لا تكل ولا تمل، قرأ ت العديد من الكتب والمجلات المتخصصة في مرض السرطان، وجربت كل البرامج العلاجية البديلة لإنقاذ زوجها يوسف من الموت، بإرادة منقطعة النظير، يشهد لها بها الكل: (التداوي بالأعشاب، التغذية الصحية المعتمدة على العسل الحر وبعض الخضر النادرة، العلاج الصيني والياباني). لترضخ في الأخير لأمر الواقع وتتذكر قول الدكتورة منال: ” عندما تكون الحقيقة ساطعة، والنتيجة حتمية، يصبح الأمل بلاهة !”ص475.

الجسد وفضاء وجبة الحواس العليا

وهي العبارة التي يطلقها يوسف على الممارسة الجنسية، التي غايتها ليس الرغبة الغريزية فقط، وإنما ” تحقق ذلك الحلول الصوفي الذي تتداخل فيها ذات الأنا مع ذات الآخر، ويحلقان معا في السماوات العليا، محققين تلك السعادة العظمى التي لا يعرفها إلا الهائمون في ملكوت الحب”. ص21. وهي الغرفة الخاصة بالزوجين العاشقين فدوى ويوسف، هو فضاء المتعة والدفء، مكان قدسي، أصبغت عليه فدوى صفات متعالية، فهو معبدها السحري، فضاء شاسع شساعة الذكريات والأحلام. لذلك انتفضت عندما اقترحت نزهة على فدوى أن ترى غرفة نوم عثمان، والتي كانت بمثابة معرض للوحات الفنية: ” أي اقتراح غريب هذا؟ تساءلت مع نفسها. فغرف النوم عندها مقدسة. إنها صندوق الأسرار الحميمية. كل شيء فيها يرتبط بصاحبها فقط. في أجوائها تنتشر رائحة عطرهما، وأنفاسهما، وعرق جسديهما في التحامهما الشبقي … إنه محراب الحب المقدس، فكيف يسمح للغرباء بتدنيسه؟ لا ينبغي لأحد أن يكشف سرهماا باقتفائه أثر حميميتهما، وإنصاته إلى أحاديثهما الليلية التي يبقى صداها مترددا بين الجدران. فحديث العشاق لا تذروه الرياح. أينما قيل يظل في مكانه إلى الأبد”. تعلن شخصية فدوى عن امرأة متصالحة مع جسدها، لها القدرة على التعبير عن الرغبات الجنسية بكل جموحها، يصبح الجسد جليا، واضحا ومرئيا، يعلن عن هشاشة وثقة مدهشتين. لكن حبها الكبير ليوسف، جعلها تتناسى رغباتها الجسدية رأفة به، لأنها تعرف بأن العلاج الكيماوي يقتل الرغبة الجنسية من جهة ومن جهة أخرى لا تريد أن تعرضه “للألم والمهانة التي يتعرض لها الأزواج وهم يحاولون ويفشلون !ولا أريدك أن تشعر بالفشل، وقد كنت دوما، فخورا بقدرتك على الإرواء والإمتاع.” وبحكم أن جسدها كان يعرف إيقاعا مضبوطا، من خلال ممارسة جنسية نشيطة، حيث يلغي الجسد كل تحفظاته ويزيل كل أسراره، لذلك انفجرت في عيادة الطبيب النفسي، الذي سألها أسئلة محرجة عن حياتها الجنسية، واضطرت للبوح له عن الجسد المحترق بالرغبة، بأنها تشتاق لزوجها وللحظات الحميمة التي عاشاها معا، ” لكن فشله أصابني بإحباط شديد. كما آلمني ما قد شعر به من مهانة وألم، إنها المرة الأولى التي يواجه فيها هذا المشكل”.ص223

فضاء المكون العجائبي

حكاية “الطائر الأخضر” هي نوع من المحكي العجيب، الذي يتماشى مع انسيابية نهر الحكي، لا يسبب أي توتر داخل الادراك العقلي، ذلك أن تواجده داخل الرواية ليس اعتباطيا، بل هو مكون أساسي من مكونات التخييل، حيث يتبين أن مقصدية الكاتبة هي أن يتماهى قدر شخصية يوسف مع حكاية الطائر الأخضر. تطالعنا الكاتبة على الصفحة 69 من الرواية بأن جدة يوسف أطلقت عليه اسم ” الطائر الأخضر”، وذلك لأنه عانى في صغره من أمراض كثيرة، وأن صفاته كانت توحي أنه ليس من أبناء الأرض؛ بالإضافة إلى أن الجدة بحكم أنها كانت ” القابلة” الوحيدة بالقرية، رأت نورا يسطع على محياه حين ولادته، وأنه كان يتمتع بجمال يفوق جمال كل أطفال القرية. وحسب رواية الجدة، الطيور الخضرا ء هي طيور الجنة التي تغادر السماء وتنزل إلى الأرض خاصة عندما يطغى الشر، ” لتجس نبض الحياة فيها” ص70، لكن هذه الطيور التي يتعذر عليها التكيف مع أحوال الدنيا، لا تموت رغم الألم والعذاب، وإنما تعود إلى موطنها الأصلي. كما حكى يوسف لفدوى عن حمام أخضر قرأ عنه في الموسوعة العلمية الخاصة، وهو نوع من الطيور التي تقطن الغابات الخضراء الكثيفة، ويتغدى من أشجارها المثمرة؛ ليتبين بعد ذلك أنها “حكاية أسطورية إفريقية تحمل اسم ” طائر القمري والحمامة الخضراء”، حيث ستعيش الحمامة الخضراء سلسلة من العذابات المتتالية، قبل أن تعود إلى عالمها العلوي، وهي تنهي رحلة الألم وهي تقول: (البؤس الحقيقي هو الذي يوجد فوق الأرض).

التخييل والشهادة

تتقمص الزهرة رميج وظيفة المثقف، وهو يتمثل دوره النقدي المقاوم للفساد. وهي بذلك تمنح الهامش فضاء وصوتا مسموعا، تستكشف مجتمعا يعرف تحولات عميقة بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، و”هذا الاقتراب من هامش الحياة بجزئياتها وتفاصيلها، يظهر أن الكتابة التي تتعين جديرة باسمها هي تلك التي تمضي بالمتخيل إلى أفق التمثيل الثقافي لأسئلة الجماعات والثقافات التحتية. ومن المعلوم أن الدور الذي يستعيد لغة الحياة المفعمة بالتعدد والتنوع والاختلاف، يقع في صميم مهمة الرواية التي لا تعتبر ظاهرة إبداعية فحسب، وإنما هي كذلك ظاهرة اجتماعية.” تراهن الزهرة رميج على إعادة تسريد تجربة المرض من خلال شخصية كل من فدوى وزوجها يوسف بطريقة فنية جمالية، يتداخل فيها الخيال بالواقع. تمتزج فيها أبعاد اجتماعية ورومانسية وثورية، لتسمع صوت من اكتوى بآلام تجربة مرض السرطان. تسائل اللحظات الدقيقة وتطرح الأسئلة الضاجة بالانتقاد والاحتجاج والمحاكمة وفق زمن نفسي ضاغط وحده القادر على سبر أغوار الآلام. ورغم حدود الحكاية الإطار في رواية قاعة الانتظار، حيث يوجد تمثيل سردي لأحاسيس الألم والأسى والحزن الذي يجتاح المريض وعائلته، فإن الكون السردي، يتسع وينفتح على عوالم حكائية جزئية، تسلط الضوء على عدة نقط ترتبط بآلام الوطن ومآسيه، وتساير هموم المجتمع المغربي المعاصر، تنصت لأحلامه بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية: (تفشي الجريمة، انعدام الأمن، انتشار الفوضى، سرقة المال العام والإفلات من العقاب، جشع الأطباء ومالكي المصحات، وفاء زوجات المرضى، ربط المسؤولية بالمحاسبة، انتشار التحرش والعنف، انتشار البطالة، الحسرة على الزمن الماضي الجميل ” وهي بذلك تمنح رؤيتها للعالم عبر آلية الذات. وهذا ما يجعل الرواية ” فنا أدبيا ديموقراطيا فذا في أشكاله الأرقى” ، متجاوزة كل الأفكار وكل تصورات المؤسسة الجاهزة. حيث يكون السرد متعالقا بالمتخيل الاجتماعي وبمشاهد الواقع الاجتماعي المغربي المتردي على أكثر من صعيد؛ لتنتج دلالات أخرى، تمزج بين التخييلي والواقعي من جهة، وبين التجربة الفردية والتجربة الإنسانية ككل. ذلك أن “كل المآسي يمكن تحملها لو أنك وضعتها في قصة أو سردت قصة حولها. ومع ذلك فهذا السرد قادر على أن يجعل المآسي محتملة وعلى أن يجعلنا قادرين على تحمل تراكمها”. وتأسيسا على ذلك “ألا يحصل عمل الحداد من خلال تحول وظيفي لذاكرة ما؟ ألا تعتمد مشاعر الحزن على الشكوى التي تحولها الملانخوليا إلى اتهامات؟ أليست هذه الشكاوى والاتهامات هما ما يكافح السرد لسردهما بطرق متباينة؟”.

اختارت الكاتبة أن تكتب تاريخ الألم والجرح من وجهة نظر مخالفة لوجهة نظر المؤسسة. حاولت أن تكتب كتابة، هي نوع من النومادلجيا ” علم الترحل”، أن تسرد المرض الذي ألم بزوجها في حركته، ترحل المرض في جسد يوسف. الترحل باعتباره إعادة ترتيب ليصير حركة. والكتابة تعتبر نموذجا لذلك، تغدو الكتابة سفرا مختلفا، ” إذ لا تعود الرحلة مسافة زمنية بين البداية والنهاية، وإنما فقط حركة في الوسط، حركة دخول وخروج مستمرين في الوسط، دون أن تكون هناك لا بداية ولا نهاية”. (ألم يصنع كافكا في روايته (المحاكمة) آلة حرب في صراعه مع الدولة البيروقراطية؟ “قد لا يكون كل رحالة محاربا، ولكن كل محارب رحالة بطبعه. الحرب هي مواجهة الرحالة لقوى الثباث”. ف ” مفهوم الجمالي في الكتابة الأدبية عامة والروائية خاصة، لم يعد يكتسي بعدا فنيا فقط، بل إنه أضحى يحمل دلالات فلسفية تتأسس على العلاقة التفاعلية التي تقوم بين النص ورِؤية القارئ له” فالنص باعتباره إنجاز الكاتب، هو مجموعة من الأدلة القابلة للإدراك والوصف. وهو أيضا ” استجابة جمالية متصلة بالوعي والتفاعل ينجزها متلقي قارئ قد يكتفي بالمتعة أو متلق باحث يرنو لاستيلاد معرفة نقدية تحاور الأدب والثقافة والتاريخ كما تحاور النص ذاته من خلال تحليل وتقويم وتذوق مجموع مكوناته اللغوية والتداولية”. ويمكن في هذا الإطار استدعاء مفهوم ” فلسفة اليومي” الذي ابتكره كل من دولوز وغوتاري، ” تعيد فلسفة اليومي مقاربة إشكالية الآخر ضمن أفق أكثر انفتاحا، يعتبر الآخر عالما ممكنا وأرضا قابلة للتعمير، وأفقا قابلا لممارسة الترحل (…) الكتابة كتابة للآخر؛ نكتب للأميين، للمهمشين، للمرضى، ولا ندعي أننا نكتب ليقرأنا هؤلاء، لكن أن نكتب بالنيابة عنهم، أي نجعلهم يعبرون داخل إطار لا يمكنهم التعبير عنه من الداخل. ” لم يكتب فوكو عن العاهرات والحمقى والمساجين كي يقرأه هؤلاء، وإنما فقط، كتب عنهم لكي يصيروا هم أنفسهم مقروئين داخل سياق آخر”. والزهرة رميج وهي تكتب روايتها عن مرضى السرطان، تمنحهم مسربا للانفلات، يصبح المرض/ المريض، قضية وتاريخا وحكاية وصوتا وذاكرة وواجهة.