التدمير الذاتي قراءة في التطرف الوجداني للشعراء

التدمير الذاتي قراءة في التطرف الوجداني للشعراء

     د. فؤاد عفاني

“إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة…” فان غوغ


التمهيد:

من الدراسات الطريفة التي تربط الشعر بالتطرف دراسة أمريكية أوردتها “صحيفة الجارديان”[1] لباحثة بجامعة أوكسفورد البريطانية تدعى إليزابيت كيندال/ Elisabeth Kendall، ترى إليزابيت في دراستها المعنونة بـــ “القاعدة فى اليمن والشعر كسلاح للجهاد”/ Yemen’s al-Qaida and Poetry as a Weapon of Jihad أن الشعر هو أفضل سلاح لتجنيد الإرهابيين المتسمين بالعنف على أساس أن الشعر تقليد ثقافي ضارب بجذوره في التاريخ العربي، فالشعر – حسب المؤلفة دائما – تكمن قوته في قدرته على تحريك مشاعر المستمعين والقراء والتسلل إلى النفس وخلق هالة من التقاليد والأصالة والشرعية حول الأيديولوجيات التي تجسدها وتجعلها سلاحا مثاليا للقضايا الجهادية المسلحة. وتضيف صحيفة الغارديان أن الشعر يعد مكونا أساسيا في حياة أكثر من 300 مليون شخص عربي، ويتم وصف برنامج شاعر المليون المشهور الذي تبثه قناة أبو ظبي باسم “شعر آيدول” باعتبار أنه يوازي برنامج “بوب أيدول” الذي يُقدم في الغرب والذي يحظى من جهته أيضا بشهرة واسعة، وتقول أن ذلك البرنامج يحظى بنسبة مشاهدة في الإمارات تتخطى ما تحصل عليه مباريات كرة القدم، كما أن الفائز يربح أكثر من مليون دولار. ويؤكد البروفسور فلاج ميل/ Flagg Miller مؤلف كتاب “الجرأة الزاحفة” The Audacious Ascetic، الرأي السالف بقوله أن الشعر يولد من رحم المعاناة، وبالتالي فهو يربط بشكل تعسفي بين الشعر والحركات المتطرفة، وقال أيضا بأن الجهاديين يتجهون إلى الشعر لأن لديهم رؤى جذرية لا يمكن وضعها بعبارات واضحة، فالأفكار المتطرفة حسب البروفيسور ميلر لا يستوعبها إلا الشعر. ومما يؤكد زعم هذا الرأي – حسب وجهة نظر الصحيفة- أن أسامة بن لادن، نظم قصيدة شعرية بعد تدمير مدمرة الصواريخ الأمريكية USS Cole عام 2000، وألقاها في زفاف نجله، كما أنه قد تم العثور على أبيات شعرية أثناء مداهمة منزله المهجور في كابول. لهذا فإن كيندال ترى أنه لفهم قلوب وعقول الذين يمارسون العنف المسلح، لا يجب أن يتم تجاهل الشعر الذى يخاطبهما.

في المقابل هناك رأي آخر يقول إن البعيدين عن الشعر؛ أي أصحاب التخصصات الدقيقة هم الأميل إلى التطرف، ففي دراسة أنجزها الباحثان “ديجو غامبيتا” و”ستيفان هيرتوج”[2] نشرت في كتاب معنون ب”مهندسو الجهاد” ثبت أن فئة المهندسين هم الأكثر انضماما للجماعات المتطرفة، ويستدل الكتاب على ذلك بأن من منفذي هجمات 11 شتنبر 2001 نجد 25 مهندسا، وشكري مصطفى مؤسس جماعة الهجرة والتكفير في مصر سنة 1969 كان يعمل مهندسا زراعيا، وصالح سرية مؤسس جماعة الفنية العسكرية في مصر أيضا دكتور في العلوم، وزعيم القاعدة أيمن الظواهري ومنظرها سيد إمام طبيبان.. والسبب في هذا كما يقول غامبيتا صاحب الدراسة السابقة التي أنجزت لصالح مركز الشرق الأوسط أن الذين يدرسون الهندسة والعلوم الدقيقة يصبحون فاقدين للتسامح في مجال تحديد الحقيقة، وينظرون إلى الأمور عبر اللونين الأبيض والأسود فقط[3].

وبين الرأيين نرى أن العنف تتداخل فيه العوامل النفسية والموضوعية فمن باب التحيز أن نربطه بما يُكتسب في مجال العلم والمعرفة. إن نموذج الدراستين أعلاه منجز من قبل باحثين غربيين ينطلقون من عينات محددة لتأكيد حقائق محددة سلفا.. الحقيقة أن بعض الشعر قد يؤيد التطرف وكثير منه يدافع عن السلام ويدعو إليه.. وكثير من أصحاب العلوم الدقيقة وقفوا ويقفون ضد العنف وعدد كبير من أولئك أيضا لا يساندون العنف فقط بل قد يصنعونه.. ولو فرضنا جدلا صحة أحد الاحتمالين -المشار إليهما أعلاه – فماذا يمكن أن يحدث في حال من يجمعون بين الشعر والتخصص في حقول العلوم الدقيقة؛ هل سيكونون متطرفين فوق العادة؟

 

ينتحر الشاعر حينما يبلغ التطرف مداه:

مما لا شك فيه أن الحديث عن نبذ الشاعر للعنف والتطرف يتحدد وفق الموقع الإيديولوجي الذي يتخذه الشاعر؛ فقد يدافع الشاعر عن العنف حينما يراه وسيلة لتخطي المآزق الوجودية التي يعايشها ولكن حينما سيكون في وضع مقابل سينبُذ العنف ويقف منه موقف الرافض، لذا فإننا لن نناقش في دراستنا هذه القضية لارتباطها بالفهم الوجودي للعنف فمضمون المصطلحات يحدده من قام بسكها. وعلى الباحث أن يدرك “أن المصطلح والمفهوم الكامن وراءه ليسا نفس الشيء، ولذا يجب ألا يقنع الباحث بالمصطلح المعطى بل يجب أن يلجأ إلى سبل كثيرة  للوصول للمفهوم الكامن”[4]. فهل يمكن مثلا اعتبار دعوة شاعر إلى رد الحق المسلوب عنفا وتطرفا؟ هل يمكن تصنيف التحريض على طرد المستعمر بالقوة عنفا؟

 لكل تلك الأسباب ولغيرها فإننا سنتوقف في هذه الدراسة عند العنف الموجه من قبل الشاعر إلى ذاته، فالتطرف والعنف لا يقتصران على إيذاء الآخر إنما تتجسد أبشع أشكاله حينما يضع الإنسان بيده حدا لحياته. ويصنف هذا النوع من العنف ضمن التطرف الوجداني الذي يتميز صاحبه بالحماس الزائد نحو الأشياء ما قد يجعله عرضه للانفعال الزائد فيتسبب ذلك في تدميره لنفسه. ويعد الانتحار أحد أشكال ذلك التدمير الذاتي وأبشعها.

يتراوح السلوك الانتحاري من مجرد تفكير الشخص بإنهاء حياته من خلال وضع خطة لتنفيذ الانتحار والحصول على وسائله، إلى محاولة قتل الذات، إلى تنفيذ الفعل كاملا وحصول الموت في النهاية (وهو الانتحار الكامل)، ويعد الانتحار شكلا من أشكال العنف والعدوانية الموجهة للذات، ويعد توماس براون أول من صاغ لفظة “انتحار/suicide في مؤلفه الطب الديني religio medici عام 1642.[5]

إن التطرف في حالة انتحار الإنسان الشاعر يتخذ شكلا ارتداديا، فالشاعر لما يعجز عن مقاومة أشكال التطرف الخارجي الموجه نحوه، ولما يرهقه التطرف الرمزي الذي يواجهه به المجتمع، ولما يصبح وجوده داخل مجتمعه عدميا آنذاك سينقلب إلى ذاته ليمارس عليها ما تراكم داخله من عنف. ففرويد يرى أنه ليس بين الفنان ومرض “العصاب شقة بعيدة،  فهو شخص تحفزه نزعات عنيفة صاخبة، فهو يصبو إلى الظفر بالقوة والتكريم والثراء والشهرة ومحبة النساء، لكن تعوزه الوسائل إلى تلك الغايات – لذا فهو يعزف عن الواقع- شأنه في ذلك شأنُ كل فرد لم تشبع رغباته، وينصرف بكل اهتمامه وبكل طاقته الليبيدية أيضا، إلى الرغبات التي تخلقها حياته الخيالية، مما قد يسلم به في سهولة إلى المرض النفسي”[6]. وبالتالي يتجه عدد من الأدباء إلى استبطان العنف المتقد فيختلف المبدعون في شكل تفريغه، وتسقط فئة في شرك الضعف الإنساني لتختار الانتحار طريقا، وهو الأمر الذي جعلنا نشهد ارتفاع نسبة الانتحار في صفوف أهل الفن عموما والشعراء خصوصا.

لقد توصلت الباحثة جمانة حداد في كتابها “سيجيء الموت وستكون له عيناك” أن عدد الشعراء المنتحرين خلال القرن العشرين قد ناهز 150 شاعرا، “نعم. مئة وخمسون شاعرا وشاعرة، من ثمانية وأربعين بلدا، من جهات الأرض الأربع، احتقَروا، بعشرين لغة مختلفة، وباثنتي عشْرة طريقة مختلفة، هذه الحياة “الانتحارية”. مئة وخمسون بطلا وبطلة ازدروا العروش كلها، الباطلة منها وغيرَ الباطلة، وارتموا في الهاوية. (جبن؟ شجاعة؟ لايهم. ارتموا)”[7] من بينهم ستة عشر شاعرا عربيا، وفق الإحصائيات التي جاءت بها جمانة حداد في كتابها

وهم: خليل حاوي لبنان، 1919-1982، منير رمزي مصر، 1925-1945، عبدالباسط الصوفي سورية، 1931-1960، انطوان مشحور لبنان، 1936-1975، تيسير سبول الأردن، 1939-1973، عبدالرحيم أبو ذكري السودان، 1943-1989، ابراهيم زاير العراق، 1944-1972، قاسم جبارة العراق، 1955-1987، عبدالله بوخالفة الجزائر، 1964-1988، كريم حوماري المغرب، 1972-1997، صفية كتّو الجزائر، 1944-1989، أحمد العاصي مصر، 1903-1930، فخري أبو السعود مصر، 1910-1940، فاروق أسميرة الجزائر، 1966-1994، مصطفى محمد شاعر سوري كردي، 1983-2006، الشاعرة  أمل جنبلاط. (ت 1983 وهي السنة نفسها التي تزوجت فيها الشاعر سعيد عقل). وتترتب البلدان العربية وفق تلك الأرقام على المنوال الآتي: (تلاثة منتحرين في كل من: لبنان، مصر، الجزائر. منتحران في كل من العراق، سوريا. ومنتحر واحد في كل من الأردن والسودان والمغرب – والمشترك بين كل أولئك أن أغلبهم انتحروا في الأربعنيات من أعمارهم أو أقل من ذلك).

في دراستنا هذه ستنوقف عند الشاعرين[8] المغربين هما كريم حوماري والشاعر عبد القادر الحاوفي:

كريم حوماري، من مواليد مدينة صفرو 1972 اختار الرحيل وهو في سن الخامسة والعشرين حيث عُثر عليه يوم الرابع من مارس من عام 1997، منتحرًا بشنق نفسه على أحد الصواري في ميناء مدينة أصيلة المغربية، بعد أن أسر لأصدقائه بأنه “إما أن يكون شاعرًا كبيرًا، أو يغادر الوجود”. نشر مبكرا قصائده الشعرية في عدد من الجرائد الوطنية، “كان هامشيا ومنسحبا، يعاني بصمت ويكتب بصمت. تشي قصائده بموهبة شعرية لا لبس فيها، لكن لم يُعط لها أن تتبلور أكثر وتتوغل في نحت الشكل وعناصره البنائية”[9]. له مجموعة شعرية جمعت ونشرت بعد وفاته من قبل أصدقائه ووسمت بـ”تقاسيم على آلة الجنون”. ومن قصائده الشعرية التي تضمر عنفا كامنا نحو الذات، قصيدته “قلق صامت” التي يقول فيها:

في الصمت

مسافة قلق سمائي،

مرهقة أجنحتي مثقلة

مشلولة نشوتي،

قلبي يلبسه الخجل

فارحلي ياعصافير الفرح،

ذَبُل الياسمين في فمي

وشقائق النعمان

مغمورةُ برماد عظامي

هكذا، أموت سالما

في حديقة جنوني

لي أنخابي معتَّقةٌ

مضمّخة بقلق بالٍ

فارحلي عصافيري،

الوجود

سيجني هواء الصمت

وذاك الحب فرّ من صدري،

ما أضاعني؟

أنا الذي

أُعلن موتي العجوز

فارشقيني يا روح الزمن

بحجر، ولا تأخذيني

في مداك المرّ

واتركي نشيدي يُكملُ موته

العظيم….[10]

ويقول في قصيدة مشهد:

رأيتُ الشعبَ مشغولا

بدفع العربة إلى الأمام

رأيت العربة مشغولةً

بدفع الشعب إلى الوراء

رأيت شعبا من العشاق ينتحرُ

رأيت راهبا يحمل مقصلة

حاكما يحمل مشنقة

رأيت الجميع يحارب الجميع،

وأنا لم أشارك في المهزلة.[11]

كريم حوماري شاعر “تحضر في معظم نصوصه، حضورا طاغيا ولافتا وأكاد أقول “نبوئيا”، تيمات الموت والوحدة والحزن والجروح والهزيمة والهاوية”[12]، ففي قصيدتيه وفي جل قصائد الديوان نجده منعزلا منطويا على ذاته، ولهذا فضمائر المتكلم تنتشر على جسد القصيدة بشكل مبالغ فيه (أنا- موتي- أضاعني- أشارك- رأيت….) مقابل ضمير المخاطب الذي منعزلا نفسيا ووجوديا عن الشاعر، فالشعب في ضراع عبثي مع العربة والشاعر ناء عن المهزلة مترفع عن أطرافها. لقد أسس كريم حوماري وجوده الخاص الذي تؤثثه المثل والقيم العليا، ورغم جمالية ذلك العالم ولكن من ينغمس فيه ويفصل نفسه عن الوجود الحقيقي المفعم بالصراع والغني بالمتناقضات، لن يستطيع التعايش مع بقية الكائنات البشرية الموجودة، وآنذاك سيصبح التوازن النفسي على المحك، وتغدو مساحة الاختيارات ضيقة.

الشاعر الآخر الذي امتطى صهوة الموت منتحرا هو الشاعر عبد القادر الحاوفي (1965- 2014)؛ غادرنا في صمت بعد أن كتب بحبر من الألم بعضا من مرارة حياته فقال: “أخفقت في الشعر والكتابة والرسم، ولم أوفق حتى في حماقاتي الجميلة في حُضن الحياة. وأمام كل الإخفاقات التي واجهتني في الحياة، سأقف اليوم قويا في وجه الموت..”[13]

يقول عبد القادر الحاوفي في قصيدة “بعض مصادفات”:

يحدث
أن أصادف موجة
تحبو نحو الانعتاق…
تتقدمها قرابين
ابيضت ظفائرها
من فرط الابتهال..
يحدث
أن أصادفني
متلبسا بأحلام
تقود أصابعي
نحو أنثى مدججة بالاشتعال
يحدث
أن أقيم مهرجان القلب
قرب طفولة الماء
حيث الذكريات
تنتشي بتصفح ألبومها..
حيث الأحلام
تصل محطتها الاخيرة
منهكة بالسؤال
يحدث
أن أصدق
موعد فرحة
لا تملك عنواني
يحدث
أن أتورط
في الشعر..البحر..
بريق لؤلؤة الوداع…

..في ترميم أحزاني.
أصنع منها استعارات
تضاهي المحال…
يحدث
يحدث كثيرا
أن يكون كل ما قلته
محض ادعاء
غير أني دوما
في اخر القصيدة
أجدني موشحا
بالدماء.

إن القصيدة غنية عن أي تعليق فما كان يحدث للشاعر هو محض ادعاء؛ فلا شعر ولا فرحة ولا أحلام ولا أنثى مدججة بالاشتعال.. لا شيء غير الوهم. وهو في ذلك لا يختلف عن الشاعر كريم حوماري في ضيقه من الواقع المرير..

ويقول عبد القادر الحاوفي  في قصيدة “شذرات” التي سنكتفي باقتطاف مقاطع منها:

1  اصرار
جاثم
بكل ثقل فقري
على صدر الحياة

3
 طلل
انقب
في الصحراء عن ظل نخلة
أدعوه وطن..
4
 س
كيف يتخلص الليل
من حزن الشعراء

6
أمنية
الساعات
مشاريع جنازات
ليـت  العقارب معطلةٌ
7
 بذخ
اكتفيت من الغنى
بالفقر
صار لي ثروة
تفيض عن العمر
أتحسس
ثقوبها من اخر الجيب
حتى أول الشهر[14].

إن الحزن باذخ يتخطى في هذه الشذرات ضيق العبارة ليُبلغ أعمق المعاني، ومن المتناقضات يشيد الشاعر معانيه المأساوية، كيف لا وهو من أصبح ثريا بالفقر لفظتين متناقضتين مدلولا تصنعان دلالة لا تؤديها قصيدة باكملها.. ولهذا فإننا لا نملك إلا أن نتساءل: كيف يتخلص الليل من حزن الشعراء؟

الشعر وتطرف القراءة:

لماذا يتطرف الشعراء؟

كتب الشاعر خالد أبو رقية في إحدى تدويناته حين وصله خبر انتحار صديقه عبد القادر حاوفي: “كل ما في وسعي قوله أيها الصديق لروحك الآن هو أنك لم تخفق في كتابة الشعر، لكن وطنا بأكمله أخفق في قراءتك”.

إن الشعراء يتطرفون وجدانيا لأن الواقع الاجتماعي أصبح ينحو منحى ماديا خطيرا، ولأن معدل الفردية في الحضارة المعاصرة أصبح مرتفعا؛ لقد ولد الشاعر العربي في القبيلة وتغنى بأمجادها وأيامها وحزٍن لمصائبها، ولكنه اليوم يقف وحيدا في مواجهة عالم مخيف من السهل أن تخلق فيه قبائل العوالم الافتراضية شعراءها المدجنين وفق معايير لا معيارية. فالشاعر بعد أن كان حكيم القبيلة ولسانها أصبح يبحث عن موطئ قدم في عالم الكلمة، وليس هناك أقسى على الشاعر من النكران. إن لغة العالم لم تعد لغة شعر رغم تفاؤل كثير من أصدقائنا الشعراء، ولم نعد نحتفل بميلاد شاعر بقدر ما نحتفي باكتشاف موهبة كروية أو صوت غنائي أو رفع معدل التسليح… لقد أصبحت المهرجانات الشعرية هي الأقل إقبالا، والدواوين الشعرية تتذيل نسبة المبيعات مقارنة ببقية الكتب الأخرى، لهذا فإن بعض الشعراء قد اعتزل الشعر وبعضهم فرّ نحو أنواع أدبية أخرى، وبعضهم يكتب لأنه يملك من الحلم ما يكفي ولكن هناك من انتحر بمقصلة الشعر أو مات غما… ونخشى أن يصبح كل الشعراء متطرفين بطريقة ما لأن الزمن ليس زمانَهم.

إن من بين أسباب وصول الشعراء إلى هذا الحد من التطرف الذي ينتهي بتدمير الذات شعورهم بالغربة في العلاقة مع القارئ، فالشعر العربي المعاصر يعاني من تسلط القراءة وعنفها بسبب ضعف المتابعة النقدية للأعمال الشعرية الصادرة؛ فالنقد في عصرنا الراهن لم يعد ينْصف الشعر، وعدد قليل جدا من الشعراء من يحالفه الحظ بمواكبة نقدية واحتفاء المنابر الإعلامية به. أما على المستوى التعليمي فلقد أضحى “الهدف الأول للدراسات الأدبية هو تعريفنا بالأدوات التي تستخدمها تلك الدراسات. قراءة القصائد والروايات لا يسوق إلى التفكير في الوضع الإنساني، والفرد والمجتمع، والحب والكراهية، والفرح واليأس، بل التفكير في مفاهيم نقدية، تقليدية أو حديثة. في المدرسة لا نتعلم عن ماذا تتحدث الأعمال الأدبية وإنما عن ماذا يتحدث النقاد”[15]. إن تلامذتنا لا يقرؤون الشعر للاستمتاع بشعريته، بل أضحى كل همهم كيف يحللون القصائد، وبدل أن نستضمر العروض حولناه إلى جثث من الرموز الجامدة. فكيف يمكن أن نتعلم الإيقاع الشعري ونحن لا نحفظ بيتا شعريا؟ لقد تم اغتيال الشعر عن طريق تحنيطه ضمن مدارس محددة وأحكام صارمة ومنهجيات تحليل تغيب النص لتستحضر التقنيات والمهارات الإجرائية.

إن الأدب عموما والشعر خصوصا يستطيع فعل الكثير، “يستطيع أن يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب، ويقودنا نحو الكائنات البشرية الأخرى من حولنا، ويجعلنا أفضل فهما للعالم ويعيننا على أن نحيا. ليس ذلك لكونه، قبل كل شيء، تقنية لعلاجات الروح؛ غير أنه، وهو كشفٌ للعالم، يستطيع أيضا، في نفس المسار، أن يحوِّل كل واحد منا من الداخل”[16]

ولكي نخفف من التطرف بكافة أشكاله لا بد من إعادة الاعتبار للشعر والشاعر ماديا ومعنويا، بيد أن استرجاع تلك القيمة الاعتبارية أمر عسير للغاية، خصوصا إذا علمنا أن العربي يقرأ بمعدل ست دقائق سنويا، في حين يقرأ الإنسان الأوربي 200 ساعة سنويا، لهذا فنحن بحاجة إلى 2800 عربي لقراءة ما يقرأه أوربي واحد، في حين نحتاج إلى 3200 عربي لقراءة ما يقرأه الإسرائيلي.. وللشعراء كل الوقت كي يعدّوا كم قارئا عربيا نحتاج لقراءة ديوان شعريّ من دواوينهم.

 

[1] – يُنظر مقال Poetry used as ‘a perfect weapon’ for recruiting violent jihadis, study finds  عدد 29 دجنبر 2015 لجريدة .theguardian

 

[2] – دييغو غاميتا عالم اجتماع بجامعة أوكسفورد، أما ستيفان هيرتوغ أستاذ بجامعة دارهام البريطانية.

[3] – جريدة الشرق الأوسط، الجمعـة 07 رجـب 1429 هـ 11 يوليو 2008 العدد 10818.

[4] – في الخطاب والمصطلح الصهيوني.. دراسة نظرية تطبيقية، د. عبد الوهاب المسيري، دار الشروق/ مصر، الطبعة الأولى 2003، ص61.

[5] – ينظر: التقرير العالمي حول العنف والصحة، منظمة الصحة (جنيف) 2002،  وص187.

[6] – أدباء منتحرون(دراسة نفسية من خلال الأعمال الإبداعية لبعض الأدباء المنتحرين)، إعداد مكرم شاكر إسكندر، دار الرتب الجامعية 1992، ص20.

[7] – سيجيء الموت وستكون له عيناك، جمانة حداد، الدار العربية للعلوم- ناشرون، لبنان، الطبعة الأولى 2007م، ص29.

[8] – إضافة إلى الشاعر  كريم حوماري والشاعر عبد القادر الحاوفي عرفت الساحة الادبية المغربية انتحار القاص سعيد الفاضلي والمسرحي حسين حوري.

– سيجيء الموت وستكون له عيناك، ص487.[9]

[10] – سيجيء الموت وستكون له عيناك، ص491.

[11]  – سيجيء الموت وستكون له عيناك، ص492

[12] – سيجيء الموت وستكون له عيناك، ص487

– انتحار الشاعر المغربي “عبد القادر الحاوفي”، عبد الرحيم الخصار، جريدة الحياة السعودية، الاثنين 15/09/2014، العدد 6770. [13]

[14] – نشرت في الموقع ذاته بتاريخ: السبت 1 شعبان 1432هـ الموافق لـ : 2011-07-02

[15] – الأدب في خطر، تزفيطان طودوروف، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر- الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2007، ص12.

[16] – الأدب في خطر، ص45.