من السردية إلى التداولية.. رؤى ومفاهيم

من السردية إلى التداولية.. رؤى ومفاهيم

مليكة فهيم (المغرب)

أولًا: عتبة البحث

عندما ظهرت اللسانيات، وفرضت وجودها، شكلت دافعًا مهمًّا وخلفية معرفية حاسمة في ظهور البنيوية، باعتبارها إبدالًا معرفيًّا، شكل قطيعة في تاريخ الفكر الإنساني. اتخذها الباحثون والمشتغلون بالأدب عمومًا، رافدًا معرفيًّا في مقاربتهم للأدب في شتى أجناسه، وبخاصة مع المبادئ التي أسسها العالم اللساني فردناند دو سوسير، وظهور كتابه “محاضرات في اللسانيات العامة”، حيث تم الاهتمام بكل مستويات اللغة، ونعني بذلك، المستوى الصوتي، المستوى المعجمي، المستوى الصرفي، المستوى التركيبي، المستوى الدلالي”. وهكذا “وجدت الدراسات الشكلانية، وكذا اللسانيات الحديثة، إقبالًا كبيرًا خلال الستينيات من القرن الماضي، وأصبح السرد Narration يحظى بمكانة متميزة. وهذا ما جعل رولان بارت (1966)، وهو ينهل من الوعي الجديد، الذي تشكل في المرحلة البنيوية، وهو يشتغل على مفهوم “السرد” يتفطن إلى أن السرد لا يكون حاضرًا فقط من خلال الأنواع السردية التقليدية مثل الملاحم والأساطير والحكايات، أو الأنماط الحديثة مثل القصة القصيرة والرواية، وإنما يشمل الوجود بكامله “إنه تمامًا مثل الحياة”. كان لهذه المقولة فعل السحر والهيمنة على كل الدراسات الحديثة التي تهتم بالسرد. ومنذ ذلك الزمن، وانطلاقًا من هذه الكلية التي أصبح يكتسبها مفهوم “السرد”، انبثقت السرديات والسيميائيات الحكائية من خلال اجتهادات (جنيت- غريماس)، وهما المنظران اللذان يتمتعان بالصرامة والدقة وتوليد المفاهيم، حيث ركز السرديون على الشكل “الدال”، وركز السميائيون على المحتوى “المدلول”. كما لعبت الصحافة العلمية المتخصصة دورًا بارزًا في نشر وتوسيع أفق الاهتمام بالسرد، بخاصة مجلة “بويطيقا”، ومجلة “سيمويطيقا”، إضافة إلى النقاش العلمي المجدد الذي كانت تصدح به المؤتمرات العلمية. فتقدمت الأبحاث السردية العالمية وتعددت تصوراتها ومقارباتها وصارت لها بصمتها الخاصة وسط منجزات الفكر الأدبي الإنساني.
كما منحت العلوم المعرفية، التي عرفت تقدما في السنوات الأخيرة السرد مكانة متجذرة على مستوى التجربة الإنسانية ككل. و”لتوضيح هذه الفكرة الجديدة حول شمولية السرد، ينطلق تورنر من فكرة مؤداها أن كل طاقاتنا وملكاتنا العقلية تعتمد بصورة خاصة على السرد، باعتباره يمثل الأدوات الرئيسة التي نقوم بها في النظر إلى المستقبل، أو توقع الأشياء، أو شرحها وتفسيرها”. وهذا ما منح السرد دورًا كبيرًا في الحياة العلمية، فهو حاضر في كل شيء إلى الحد الذي أصبح معه السرد يتجاوز موضوعات الأدب، وسينفتح على مختلف العلوم والاختصاصات. وتأسيسًا على ذلك، أصبح السرد حاضرًا في كل الدراسات الحديثة، باعتباره يتحقق في كل الخطابات. ويمكن الحديث عن السرد، سواء على مستوى النظرية السردية، أو على مستوى التحليل السردي، من خلال مرحلتين:
الأولى: مرحلة التأسيس، التي ارتبطت بالبنيوية، حيث تشكلت وتبلورت الأسس الكلاسيكية للبحوث السردية.
الثانية: مرحلة التطور، وتسمى أيضًا مرحلة “ما بعد السرديات الكلاسيكية”، ويزعم المنظرون أن بدايتها كانت مع أواسط الثمانينات إلى الآن.
وينفتح السرد اليوم على اختصاصات مختلفة منها: التحليل النفسي، السرديات النسائية، نظرية العوالم الممكنة، إضافة إلى المقاربات التي تتأسس على المعلوميات وتكنولوجيا الوسائط الجديد. وظهر مجموعة من الرواد الذين عملوا على مواصلة المشوار الشكلاني، ومنحه الشرعية العلمية في الدرس الأدبي، خصوصًا بعدما حظيت النصوص الشكلانية بالترجمة من الروسية إلى الفرنسية على يد تزفتان تودوروف”(1).
استطاعت الدراسات السردية أن تحقق عدة نجاحات على مستوى بناء المفاهيم التي تشتغل على النص السردي وفق تصورات مختلفة، واستطاعت أن تمنح الخطاب النقدي أدوات إجرائية، أتت فعاليتها ونجاعتها في مقاربة النصوص السردية. وقد انبنت هذه الدراسات على تراكمات معرفية مهدت لها الطريق؛ وبخاصة مع ظهور كتاب جيرار جنيت “خطاب الحكاية” سنة (1972)، الذي يعتبره الكثير من النقاد البداية الفعلية للسرديات، لذلك، يقول سعيد يقطين: “نتفق مع ميك بال حين تتحدث عن ما قبل جنيت (1972)، وما بعده للدلالة على ميلاد السرديات الفعلية، علما قائما بذاته”(2).
وهكذا نرى بأن اقتراح الشكلانيين الروس، الأدبية، موضوعا للشعرية الجديدة، أعطى تصورًا جديدًا للأدب: فالأدبية هي المعيار الذي يجعل من عمل ما عملًا أدبيًّا، باعتبارها تجسد أساس حقيقته الموجودة في الشكل، والتي يصوغها الكاتب، ويحولها إلى تجربة تقبل المشاركة والتفاعل بين العمل الفني والمتلقي. إذ كان هدفهم البحث “في الخصائص التي تجعل من الأدب أدبًا بالفعل، ولخصوا هذه الخصائص في مصطلح واحد سموه الأدبية La littérarité”(3)، وكان التركيز على دراسة النصوص الإبداعية دراسة محايثة، لا تتعالق مع واقعها الخارجي، الذي تراه الشكلانية موضوعًا غير أصيل للدراسة الأدبية. وتوجهت نحو تحرير الدراسات الأدبية من كل الجوانب الخارجية المتصلة بالإيديولوجيا أو بالظروف الاجتماعية والنفسية أو المتصلة بالسياق التاريخي. لذلك يمكننا القول الآن، إنه وقد قرب مرور قرن من الزمن على طرح الشكلانيين الروس للأدبية، لا يزال الدارسون يعملون على توضيحها ويحددونها تحديدات مختلفة، ويبحثون عنها من زوايا نظرية ومنهجية معينة. إن الموضوع يفتح أفقًا للتفكير والبحث وتقديم فرضيات واختيار استراتيجيات، يتم الكشف عنها من خلال العمل الذائب والمتواصل والمتطور”(4). وإذا اشتغل الشكلانيون على الأدبية، فقد نهج السرديون نهجهم، وحددوا موضوعهم واختاروا له “اسم السردية” Narrativit قياسًا على الأدبية”(5).

ثانيًا: من السردية إلى التداولية

تمكن باختين من نحت مجموعة من المصطلحات الجديدة، التي لها القدرة على مقاربة الخطاب السردي، “وهي مفاهيم تنقلنا بانسجام تام مما هو لفظي إلى ما هو دلالي مثل التناص، التعدد اللغوي، البوليفونية، وأسلوبية الخطاب التي ركز فيها باختين على دور الخطاب غير المباشر الحر في تفعيل تداخل الأصوات في الملفوظ الواحد”(6). وعلى الرغم من أنه شيد مقارباته السردية على قاعدة شكلانية، انتقد الطرح الشكلاني، معلنًا أن النص تتقاطعه كل العلوم الإنسانية باختلاف أنواعها. وقبل أن يختار التوجه إلى الماركسية، باعتبارها تعبير عن تصوره المنهجي، أشار إلى توجهين اثنين، الأول “لساني، والآخر يحيل إلى تخصص لا يحمل في البداية أي اسم، وأشار إليه في كتاباته بـ”العبر لسانية”، وهو يشبه في مقاربته إلى حد بعيد التداولية”(7). يتضح أن بوادر الانتقال في المقاربة السردية من اللسانيات إلى التداولية، قد لمح لها باختين في العشرينيات من القرن الماضي بشكل جلي و”أكد دور ما سماه العبر لساني في مقاربة مستويات أخرى من النص”(8). لكن على الرغم من ذلك، ترسخ اسم شارل موريس لدى أغلب الدارسين، باعتباره رائدًا للتداولية، حيث أشارت قولته الشهيرة سنة (1938) إلى “ذلك الفرع من السيميائيات الذي يعنى بدراسة العلاقة بين اللغة ومستعمليها”(9). وعلى الرغم من أن البحث في روافد التداولية، كما يشير بعض الدارسين، يبين أنه كانت هناك جهود سابقة، تتمثل على سبيل المثال لا الحصر في اجتهادات شارل ساندرس بيرس Charles Sanders Peirce، الذي اهتم بالإشارة اهتمامًا بالغًا، بخاصة عندما تحدث عن الواقع المدلول وارتباطه بالفردي والاجتماعي؛ لكنه “راح ضحية السلطة الرمزية لخطاب من يصنفون أنفسهم بالنقاد من جهة، والـتأويلات الخاطئة لبعض أفكاره من جهة أخرى”(10)، وعلى الرغم من الأبحاث المهمة والرائدة للغة في المستوى التركيبي والصوتي، ظلت إشكالات الاستعمال اللغوي مسكوتًا عنها، بدعوى أنها صعبة الدراسة. غير أن التطورات المعرفية التي عرفتها فترة الخمسينات أظهرت بالملموس أن فترة التجاهل قد انقضت. فظهرت محاضرات أوستن ودراسات تلميذه سورل، لتدشن محطة جديدة في الأبحاث اللسانية وهي محطة التداولية.

ثالثًا: نبذة تاريخية موجزة عن التداولية

غدت التداولية بؤرة لتخصصات عديدة، منها اللسانية والفلسفية والأنثروبولوجية والنفسية وغيرها، إذ شكلت حقلًا خصبًا أعاد النظر في قضايا الاستعمال اللغوي وآليات التواصل مثل مقصدية المتخاطبين والحجاج والإحالة والاستلزام الحواري، المنبثق خلال التفاعل الإنساني. وهذا ما يجعلنا نستنتج بأنها “لم تعد علمًا لغويًا محضًا بالمعنى التقليدي، علمًا يكتفي بوصف وتفسير البنى اللغوية، ويتوقف عند حدودها وأشكالها الظاهرة، ولكنها علم جديد للتواصل يدرس الظواهر اللغوية في مجال الاستعمال؛ ويدمج من ثم مشاريع معرفية متعددة في دراسة ظاهرة ” التواصل اللغوي وتفسيره”(11).
ولقد استفادت التداولية من الانفتاح المعرفي ومرونة الجانب النظري والمنهجي، الشيء الذي يقودنا إلى استنتاج بأن هناك تداوليات عديدة وليس تداولية بصيغة المفرد. وهذا ما أكده فان دايك حين قال: “وبينما كانت أغراض التراكيب النحوية والسيمانطيقية ومكانتهما من علم النحو أغراضًا واضحة شيئًا ما، فإن مهام التداولية وإسهامها في النظرية اللسانية لا تزال محل خلاف على الإطلاق”(12). وعلى الرغم من ذلك، أضحت التداولية محط انتباه وتفكير الكثير من الدارسين، إذ تعتبر اليوم اتجاهًا معرفيًّا خصبًا بعد أن كانت تنعت بسلة المهملات.
ونحن نبحث في التاريخ المرجعي للتداولية، يتضح لنا بأن تتبع مسار تاريخ المعرفة، هو دراسة في الخيوط المتشابكة الموجودة بينها؛ فالنظريات والأفكار هي مجموعة من التراكمات والامتدادات والتصويبات والمراجعات. “فهو ملتقى جملة من الاختصاصات المعرفية كالفلسفة والسيميائيات والرياضيات والبحوث النفسية والاجتماعية والذهنية، وهي اختصاصات بقدر ما تؤسس لفروضها ومفاهيمها الخاصة، بقدر ما كانت رافدا خصبا للتداولية”(13). وإذا كانت الفلسفة التحليلية، قد غيرت اتجاه الدراسات الفلسفية، حيث ابتعدت عن التخريجات المثالية التي بصمتها لفترات طويلة، وأحجمت عن تشييد الأنساق الفلسفية الكبرى، فقد اشتغل أعلام التداولية بتجزيء القضايا اللغوية، تجسيدًا للتحولات المعرفية والمنهجية، لذلك اهتموا بقضايا الاستلزام الحواري ومضمرات القول، من دون أن يكون طموحهم بناء أنساق لسانية كبرى. فصبوا جل تركيزهم على قضايا التواصل الإنساني، لاعتقادهم الراسخ بتشابك الظواهر اللغوية وصعوبة حصرها. أيضًا شكلت منهجية مدرسة أوكسفورد في تعاملها مع القضايا الفلسفية، منطلقا لكل من أوستن وسورل، “وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال وقوف أوستن عند ظاهرة الإيهام الوصفي، وتنصيصه على ضرورة رصد خواص الأفعال الكلامية، وسعيه للتميز في الملفوظات بين المجازية والتقريرية”(14).
لقد ظلت الأبحاث التداولية في بداياتها مقتصرة على معجم محدود مثل: ظروف المكان والزمان والضمائر. كما أن ” تعريف موريس للتداولية ظل واسعًا وفضفاضًا يتعدى حدود ما هو لساني إلى ما هو سيميائي، بل ويتعدى المجال الإنساني إلى الحيواني والآلي”(15). وتعد المحاضرات التي ألقاها أوستن بجامعة هارفر سنة (1955)، والتي تناول فيها فلسفة وليام جيمس، مرحلة مهمة في تحديد معالم التداولية؛ وبخاصة دراساته حول أفعال الكلام، التي تلقفها سورل وطورها فيما بعد، حيث بين أوستن عددًا كبيرًا من الجمل التي لا تصف العالم ولكن تغيره.
وبعد أن كانت التداولية مشروعًا مؤجلًا، تطورت مع أبحاث كل من أوستن وغرايس، وبعدها جاءت المرحلة الأهم وهي الفترة التي انفتحت على العلوم المعرفية والدراسات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وهي اجتهادات وسعت من حقل التداولية، فبزغ ما يعرف بالتداولية المعرفية Pragmatique Cognitive مع نظرية الملاءمة Théorie de Pertinence لسبيربر وولسن. أما ديكرو فأضفى على التداولية بعدًا دلاليًّا، حينما حاول التأسيس لتداولية مندمجة في الدلالة ضمن ما يعرف بنظرية الحجاج في اللغة، إلا أن الصعوبات التي واجهتها نظريته دفعته إلى تبني أطروحة الباحثة ماريون كاريل المعروفة بنظرية المجموعات الدلالية، وهي نظرية تنفتح على النظرية العامة لتعدد الأصوات”(16).

رابعًا: التداولية لغة واصطلاحًا

■ التداولية لغة
التداولية أو التداوليات أو النفعية أو السياقية أو البرغماتية أو الوظيفية.. دوال مختلفة تحدد التوجه العلمي، الذي انبثق من اللسانيات الحديثة أي التداولية. ويظل مصطلح التداولية الأكثر شيوعًا بين الدارسين. “وهو مصطلح مركب من وحدتين إحداهما معجمية “تداول” والأخرى صرفية “ية” دالة على مصدر صناعي. والدال والواو واللام في اللغة أصلان أحدهما يدل على تحول الشيء من مكان إلى مكان. والآخر يدل على ضعف واسترخاء”(17)، والدولة تغير الزمان من وضعية مزرية إلى وضعية فرح وسرور. ولقد جاء في “سورة آل عمران” (الآية 140): {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، أي نديرها بينهم. ونقول دواليك أي مداولة على الأمر. “والدولة في الحرب أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى، يقال كانت لنا عليهم الدولة”(18)، وقد تداولته الأيدي: أخذته هذه مرة وتلك مرة.
نستشف أن هناك دلالتين تتبناها المعاجم القديمة، هناك معنى التحول من حال إلى حال؛ ثم هناك الدلالة المرتبطة بالحركة، فالضمة تدل على التبدل والتغير، والفتحة تدل على الحرب، ويتساويان في أحيان أخرى.

■ التداولية اصطلاحًا
تطورت التداولية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وتعددت اتجاهاتها، إلى حد القطيعة مع مقاربة موريس، التي وإن كانت تحتفظ بريادتها، “فهو يستخدم “العلامة” لا القولة، و”المؤول” من دون أن يأتي على ذكر المتكلم، الذي أصبح فيما بعد، ومقاصده، بؤرة اهتمام التداوليات، حيث أصبحت سيرورة إنتاج المعنى ومنتجوه، لا الناتج النهائي، مركزا لاشتغالها”(19).
وقد تضافرت اجتهادات العديد من المنظرين لإعطاء تعريف جامع، يميط اللبس عن التداولية، بالنسبة لآن ربول وجاك موشلار “يمكن أن نعرفها بصفة عامة على أنها دراسة استعمال اللغة، في مقابل دراسة النسق اللغوي الذي يمكن اعتباره ضمن اختصاصات اللسانيات. وعندما نتحدث عن استعمال اللغة، فإن هذا الاستعمال ليس محايدًا. فالإشارات على سبيل الذكر لا يمكن أن تؤول إلا داخل سياقها التلفظي، كما أن الكلمات تدل في مناسبات كثيرة على معان تتجاوز ما ننوي التعبير عنه”(20). وحسب سبيربر وويلسون، فإن التداولية “تهتم بكل المظاهر الملائمة لتأويل الجمل تأويلًا كاملًا في سياقات معينة، وهذه المظاهر قد تكون مرتبطة بالشفرة اللسانية أو غير مرتبطة بها”(21). وهذا التعريف لا يبتعد كثيرًا عن مقولة فان دايك، حين ذكر أن “البناء النظري للعبارات على المستويين الصوري والدلالي ينبغي أن يكمل ويتمم بالمستوى الثالث، أعني بمستوى فعل الكلام. وذلك أن كل عبارة متلفظ بها ينبغي ألا توصف فقط من وجهة تركيبها الداخلي والمعنى المحدد لها، بل ينبغي أن ينظر إليها كذلك من جهة الفعل التام الإنجاز المؤدي إلى إنتاج تلك العبارة. ووصف هذا المستوى هو الذي يهيئ شروطًا حاسمة لغاية إنشاء وتركيب جزء من ضروب التواضع والاتفاق، ما يجعل العبارات مقبولة، أعني أن يصير تركيبها مناسبا لمقتضى الحال بالنظر إلى السياق التواصلي”(22). وإذا كان التواصل، حسب J.Mey، يحدث في المجتمع من خلال اللغة، فإن مستعملي اللغة، يعتبرون موجودات اجتماعية، يخضعون لإكراهات المجتمع من خلال استعمالهم الطرائق اللسانية التواصلية. ومن تم فالتداوليات هي “دراسة استعمال الألسن في التواصل الإنساني كما يشترطه المجتمع وظروفه”(23).
ترتبط التداوليات إذن، بشكل وثيق بالمستعملين وبالسياق ومكوناته، وأيضًا تنطلق من توجه مجتمعي مشترك، وهذا ما يجعلها متعارضة مع حقلي النحو والدلالة في تفسير الظاهرة اللسانية. ولقد ركز ماي على مقاربتين مختلفتين:
التداوليات الخاصةMicropragmatics : تهتم بمستوى استعمال اللسان، والتضمين في عملية التخاطب والسياق، والإحالة والاستلزام التخاطبي، وتحليل المحادثة. والتداوليات العامة أو الكلية Macropragmatics ، التي تركز على مكوني المجتمع والثقافة ومباحث استعمال الألسن في التواصل.
وتبقى إشكالية تعريف التداوليات مسألة صعبة؛ وذلك لوفرة المقاربات والاجتهادات في هذا المجال. بل نجد في الأغلب الأعم تعريفات جزئية تعكس توجه واضع التعريف نفسه.
وأما أريل/ Ariel Mira، فقد خلصت إلى تحديد ما سمته “الخيمة التداولية الكبرى”(24) التي تضم: الإشاريات، تحديد المعنى، والأفعال الكلامية، والتنغيم، والخطاب، والاستلزام التخاطبي، والاستدلالات التصريحية. وقد انتبهت أريل إلى الحل الأنجع للفصل بين النحو/ الدلالة، والتداوليات من خلال التقيد بثنائية الشفرة/ الاستدلال(25). ذلك أن بناء الاستدلالات لا تبنى فقط اعتمادًا على معارفنا النحوية، بل على قدراتنا في الاستدلال، حيث نستنجد بمكتسباتنا العامة التي تعبد الطريق الفاصل بين المعطيات والاستنتاجات.
في حين رأت جيني توماس Jenny Thomas أن التعريفات التي انتشرت في فترة الثمانينيات من القرن العشرين لم تضع حدودًا فاصلة بين التداوليات وحقل علم الدلالة الحديث، الذي يهتم أيضًا بالمعنى في الاستعمال وفي السياق. “وأشارت توماس إلى أن علة الإصرار على مثل هذه التعريفات هي رغبة الانضواء إلى أحد الاتجاهين: اتجاه معنى المتكلم، واتجاه تأويل القولات؛ فالتيار الأول يركز على المتكلم وينحو منحى اجتماعيًّا، أما التيار الثاني فهو من ذوي التوجه العرفاني الذين يركزون على آليات فهم القولات من قبل المخاطب”(26). أما شيفون شابمان Siobhan Chapman، فقد صنفت التداوليات إلى صنفين:
التداوليات الكلاسيكية: وتتضمن أعمال أوستن بخاصة نظرية أفعال الكلام وأعمال سورل ونظرية الاستلزام لغرايس.
التداوليات الحديثة: وتضم أعمال الغرايسيون الجدد، الذين طوروا الأعمال الأصلية لغرايس. وقد عمدوا إلى اقتراح قواعد تفسر آليات المحادثة بطريقة أقل تعقيدا من قواعد غرايس. أما تيار نظرية الملاءمة، فقد قلص “قواعد غرايس إلى مبدأ وحيد ذي مكون عرفاني وآخر تواصلي. ويظهر الاهتمام بصورة أكبر بالعملية التفاعلية بين المتخاطبين وأثرها في الاستدلال، في حين ركز غرايس والغرايسيون الجدد على دور المخاطب. كما أضاف تيار الملاءمة مستوى وسيطًا بين المعنى الدلالي الذي لم تتم شروط صدقه، والتصريح التام شروط الصدق، والاستلزام غير الخاضع لشروط الصدق”(27).

خامسًا: بعض مفاهيم التداولية

■ الاستلزام الحواري عند غرايس
لقد انفتحت التداولية على مبحث العلوم المعرفية من خلال البحوث التي قدمها غرايس لنظرية المحادثة، والتي تعتبر مقدمة مهمة لتطور نظرية الملاءمة لدى سبربر وولسن. لقد أعطى غرايس عناية كبرى لقضايا الاستدلال. وتتضح ملامح هذا التوجه الجديد، عندما نشر مقالًا بعنوان The meaning (1957)، بالإضافة إلى محاضراته حول “فلسفة وليام جيمس، بجامعة هارفارد 1967. “كما توسع في توصيف العمليات الذهنية اللازمة لفهم الملفوظات وتأويلها في مقاله (Logic and Conversation)(28). وهي القضايا التي لم تكن محل اهتمام منظري التداولية، الذين انشغلوا في المراحل الأولى بالأفعال الكلامية. “حيث نص على أن المتخاطبين عندما يتحاورون، فإنما يقبلون ضمنًا بجملة من القواعد والمواضعات، وهي قواعد تحكم عمليات التواصل، وتوجه نحو نهايته الإيجابية، بعد سيرورة من الاستلزامات والاستنتاجات والتخمينات والافتراضات المسبقة الخفية. على هذا الأساس أضحى تأويل الملفوظات رهينًا بثلاثة عوامل: معنى الجملة، والسياق (اللساني وغير اللساني)، علاوة على مبدأ التعاون”(29).
ويتأسس مبدأ التعاون Cooperative Principale عند غرايس على أربعة قواعد هي: قاعدة الكمية، قاعدة الكيفية، قاعدة العلاقة، قاعدة النوع. كما يعتبر الاستلزام التخاطبي آلية مهمة في التداوليات عموما، أي تفسير “كيف يمكن للمتكلم أن يعني أكثر مما يقول في عملية التخاطب؛ أي: كيف تبلغ القولات المخاطب أكثر من معانيها الحرفية، وكيف يتمكن المخاطب من التأويل”(30). وقد بنى غرايس نظريته في “الاستلزام التخاطبي” اعتمادا على مقاربته للمعنى، عندما تحدث عن المعنى الطبيعي والمعنى غير الطبيعي من جهة، ومن جهة أخرى مقاربته الاستدلالية للتواصل، حيث اشتغل على تحليل الحوار وفك آلياته عن طريق مبدإ التعاون. أي أن نظرية الاستلزام التخاطبي سدت ثغرة توصيف وتفسير عملية التخاطب.

■ المقصدية الخطابية
نشأ الاهتمام بالقصدية في كنف الأبحاث التي اهتمت بالاستعمال العادي للسان وبالحوار بشكل خاص. كما يمكن تطبيق تخريجاتها على أشكال متعددة من الخطابات. وقد ظهر الاهتمام بالقصد والقصدية في الدراسات التداولية، حينما شيد جون أوستنj. L. Austenنظريته في أفعال الكلام، التي شيدت على نقطة أساسية، تفيد أننا ونحن ننتج قولاتنا، فإننا من جهة نتجاوز المقولات النحوية والمقولات الدلالية التي تعتمد معيار مطابقة الواقع الخارجي صدق/ كذب. ومن جهة أخرى فإننا ننجز أفعالًا أو جزءًا منها. وتأسيسًا على ذلك، رأى أوستن أن ضمن كل قولة مستعملة هناك عملا منجزًا.
صاغ أوستين نظرية “الأفعال الكلامية”، وهو يعني بلفظ فعل acte وليس verbe؛ “ومفاد الفكرة المركزية التي دافع عنها أوستن أن تحديد الفعل الكلامي الذي نستعمل له، بصورة معيارية، جملة معينة هو الذي يعطينا معنى تلك الجملة”(31)، وقد ميز بين ثلاثة أنواع من الأفعال الكلامية:
– فعل القولي (locutionary act)
– الفعل المتضمن في القول (illocutionary act)
– فعل التأثير بالقول act) perlocutionary)
وقد اهتم أوستن بفعل المتضمن في القول، ذلك أن هذا الفعل هو ما ننجز. وهو مرتبط بفعل التأثير بالقول، وهو المعنى الذي يقصده المتكلم وهو ينتج القول. على سبيل المثال حين تقول الأم لابنتها التي تستعد للخروج من البيت: “الثلج لا زال يتساقط”، فإن فهمها لقصدها، الذي تفترض أنها تطلب منها عدم الخروج، يتأسس عليه نجاعة الفعل المتضمن في القول من ناحية، وفعل التأثير بالقول من ناحية أخرى، وإن لم يتحقق فعل التأثير.
تعتبر المقصدية من المفاهيم والمفاتيح الأساسية التي تتأسس عليها التداولية وهي تحاول البحث في علاقة الباث بالمرسل إليه. وهكذا تهتم المقصدية بالدلالة الضمنية، متجاوزة الدلالة الحرفية، أي ترتبط بالتأويل. يحتوي كل خطاب على مقصديتين رئيستين، الأولى تواصلية، والثانية إخبارية حسب سبيربر وويلسن. “مقصدية إخبارية، وهي ما يقصد إليه المتكلم من حمل مخاطبه على معرفة معلومة معينة. ومقصدية تواصلية: وتتعلق بحمل المخاطب على معرفة مقصده الاخباري”(32). وإذا كان المتكلم يصوغهما، باعتباره منتجا للخطاب، فهما يمثلان حجرا أساسيا في الاشتغال على تأويل الخطاب وصياغة انسجامه. كما يضبطان العلاقات بين “محتويات متتالية من الملفوظات، أو ما يسميه محللو الخطاب بالاستمرارية الموضوعاتية/ التيمية للخطاب continuité thématique، التي على أساسها يتسنى لنا فهم الخطاب”(33). ولقد منح سيرلJohn Searle لمفهوم القصدية توجها فلسفيًّا، وهو يصف أفعال الكلام ويفسرها، الشيء الذي خول له تأسيس نظرية شاملة.

■ السياق
إذا كان التواصل يبنى انطلاقًا من فرضية تعارف مشترك بين المتحاورين، فإنه لا يمكن أن نتصور تواصلًا من دون سياق يؤطره. ويشكل السياق خلفية رئيسة للتواصل. ولقد شهد عدة تطورات حسب المقاربات التي تناولته بالدرس والتحليل، ووضعته موضع تساؤل للقبض على حدوده وعناصره، خاصة لدى الغراسيين الجدد، والتيار السوسيولوجي وتوجه نظرية الملاءمة وغيرها، والتي تعلن جميعها أهمية السياق ودوره المحوري، “فذكر الاستعمال في حد ذاته، يتضمن بصورة لزومية حضور السياق؛ لأن الاستعمال، لا يمكن أن يكون إلا في إطار السياق”(34).
ويعتبر السياق مفهوما مهما في المقاربات المتعددة التي تحدد المعنى تداوليًّا. واعتبره جاكوب ل. ماي Jacob L Mey/ مفهومًا ديناميًّا متجددا وليس استاتيكيًّا ساكنا”(35). وهو فضاء يتميز بالشساعة، باعتباره البؤرة الدائمة التغير، التي تمكن مستعملي الألسن من التواصل والتفاعل فيما بينهم، وتمنحهم الفهم والمعنى التداولي الملائم. ويعتبر السياق أساس الانسجام النصي، ولا تتحقق نجاعة نص ما، إلا إذا احترمت السياق الذي يتشكل ضمنها، “فنحن ننجز فعلًا لغويًّا عندما نعبر بجملة أو بعدد من الجمل في سياق يكون ملائمًا لها. ويضرب لنا فان ديك هذا المثال: حين نقول: هل يمكنك أن تساعدني في دفع السيارة؟ فالمقصود من هذه الجملة إنجاز فعل الطلب، إلا أن معنى هذا الفعل لا يتم إلا في شروط خاصة، أو ضمن مواقف محددة، وهي تتعلق بالسياق الذي يتم فيه تلفظ العبارة بوصفها فعلًا لغويًّا”(36).
والسياق حسب هربرت كلارك هو “المعلومات المتاحة لشخص معين للتفاعل مع سيرورة معينة في حادثة معينة”(37). وميز بين نوعين من السياق شيدهما على أسس تداولية سيكولوجية، وهما “السياق الجوهري Inntrinsic، والسياق الاتفاقي Incidental؛ (…) واعتبر كلارك أن السياق الجوهري هو الفاعل في عملية فهم المقولات في التواصل هو أساس الفهم لدى المخاطب حيث يمكنه من فهم قصد المتكلم في موقف معين”(38). ويعتبر السياق المكون الحاضن لعملية التخاطب، إذ لا نستطيع فهم مقصدية المتكلم بدون معطيات السياق الخاصة في عملية التخاطب، فهو يتضمن كل ما هو خارج لساني، الذي يمكنه أن يشكل جزءًا من الوضعية التلفظية. فهو يضم عناصر الإطار الزمكاني للتلفظ، وطبيعة المتحاورين وجنسهم، إلى جانب لحظة التلفظ. هذه المكونات الخارجية هي الكفيلة بأن تنقل المتخاطبين من التعامل مع المستوى اللغوي إلى التأويل التداولي”(39)، الذي يصبغ على قولاتنا المعنى التداولي الناجع.

المراجع:
1. سعيد جبار: التخييل وبناء الأنساق الدلالية/ نحو مقاربة تداولية، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، 2013، ص14.
2. سعيد يقطين، المرجع نفسه، ص 28.
3. حميد حميداني، بنية النص السردي، المركز الثقافي العربي، ط3، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، 2000، ص11.
4. سعيد يقطين، المرجع نفسه، ص31.
5. سعيد يقطين، المرجع نفسه، ص31.
6. سعيد جبار، التخييل وبناء الأنساق الدلالية/ نحو مقاربة تداولية، ص20.
7. المرجع نفسه، ص21. عن:
T.Todorov, Mikhail Bakhtine, Principe dialogique ; p 43.
8. سعيد جبار، التخييل وبناء الأنساق الدلالية/ نحو مقاربة تدوالية، ص22.
9. جواد ختام، التداولية أصولها واتجاهاتها، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، ط1، 2016، ص25.
10. المرجع نفسه، ص 25.
11. جواد ختام، التداولية أصولها واتجاهاتها، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، ط1، 2016، ص19
عن سعود صحراوي” التداولية عند العلماء العرب دراسة تداولية لظاهرة ” الأفعال الكلامية” في التراث اللساني العربي” دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط 2005، ص16.
12. فان دايك، ص255، ص19 جواد ختام.
13. جواد ختام، التداولية أصولها واتجاهاتها، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، ط1، 2016، ص25.
14. المرجع نفسه، ص42.
15 المرجع نفسه، ص20.
16. المرجع نفسه، ص21
17. المرجع نفسه، ص13. عن ابن فارس أحمد بن زكريا (ت 395ه) مقاييس اللغة، تحقيق وضبط عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1979،ج2، ص314.
18. ابن منظورمحمد بن مكرم (ت 711ه)، لسان العرب، دار صادر للنشر، بيروت، لبنان، ج5، ص327.
19. ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية/ قراءة تأصيلية، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2018، ص29.
20. Moeschler Jacques et Reboul Anne « Dictionnaire encyclopédique de Pragmatique », Seuil, 1994, p1.
21. سعيد جبار، التخييل وبناء الأنساق الدلالية/نحو مقاربة تداولية، ص24. عن:
Martine Bracops ; Introduction à la Pragmatique ; éd de boeck ; 2005, p13.
22. فان دايك، النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي، ترجمة عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، 2000، ص18.
23. Mey, Jacob L. Pragmatics: An Introduction, p6.
24. Ariel, Mira. Defining Pragmatics, p145.
25. Ariel, Mira. Defining Pragmatics, p99-100.
26. ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية/ قراءة تأصيلية في المفاهيم والسيرورات التأولية، ص35.
27. المرجع نفسه، ص269.
28. Grice H P « logic and conversation »In Syntax and semantics 3 speech arts, Cole and Morgan, 1975, p41-58.
29. جواد ختام، التداولية أصولها واتجاهاتها، ص99.
30. ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية/ قراءة تأصيلية في المفاهيم والسيرورات التأويلية، ص241.
31. عبد المجيد جحفة، مدخل إلى الدلالة الحديثة، دار توبقال للنشر، ط2، 2014، ص36.
32. سعيد جبار، المرجع نفسه، ص36.
33. حياة مختار أم سعد، تداولية الخطاب الروائي/ من انسجام الملفوظ إلى انسجام التلفظ، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2015. ص66.
34. المرجع نفسه، ص118.
35. المرجع نفسه، ص123.
36. حياة مختار أم السعد، تداولية الخطاب الروائي/ من انسجام الملفوظ إلى انسجام التلفظ، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، ط1، 2015، ص39.
37. ثروت مرسي، في التداوليات الاستدلالية، ص 124. عن Clark, H, Arenas of Language Use, p64/
38. المرجع نفسه، ص124/125.
39. سعيد جبار، التخييل وبناء الأنساق الدلالية/ نح مقاربة تداولية، ص36.